قبل ان اغادر ليبيا بعد زيارتى الاخيرة،
تركت رسالة قصيرة للعقيد القذافى مع من يستطيع ايصالها له، بدأتها بالطبع بشكره على اتاحة عودتى الى الوطن و التنقل فيه آمنا مطمئنا ، ثم لخصت له ما خرجت به من اقامتى التى استدامت خمسة و سبعون يوما و التى انتقلت فيها للقاء الناس والحوار معهم من الجبل الاخضر شرقا الى صبراته غربا، كتبت له: انها" الحياة الكريمة" ايها الاخ المحترم ، تلك التى يرنوا اليها ابناء هذا الوطن الطيبون، و لا معنى لعمل لا يضع هذه الغاية ليس فقط على راس الاجندة الوطنية ، بل و يجعلها البند الوحيد على هذه الاجندة لزمن طويل.
فعلى الرغم من ثقافة الخوف التى كانت نتاجا طبيعيا لعقود ثلاث من الانتهاك المستمر لحقوق الناس و حرياتهم ،استمعت فى كل مكان التقيت فيه بالناس كلام واضح وصريح عن ان الدمارالذى لحق بحياة الناس ، وبالامور التى تحيط بالمواطن مباشرة صارت السبب الاول لمعاناتهم و ما ينتج عنها من احتقانات اجتماعية وسياسية ، وان العمل من اجل توفير الحياة الكريمة هو السبيل الوحيد لا ستعادة الثقة بين الناس و الحكام ، بل واستعادتهم ا لثقة فى المستقبل.
لقد كان من الممكن دائما و فى كل اللقاءات قشع الخطاب المرارى المبرر الذى بلورته ثلاثة عقود من العسف و العنف العبثى ، واحلال حوار يقدم لخطاب بديل ذو منحى مستقبلى و طبيعة مطالبية و معايير موضوعية، لينتقل الحديث من اجترار سنوات الرعب الى استشراف امكانيات العمل المطالبى السلمى ، ولتتغير اللغة من سرديات الماضى المظلم الى رسم الغد و ملامحه. و ليحل الامل فى المستقبل محل اليأس الذى انتجه الماضى.
كما كان من الممكن ايضا استشعار رغبة فى الانفصال عن الماضى و نتائجه لدى العقيد القذافى ، الامر الذى لابد وان يتبعه انهاء مرحلة الصدور الضيقة ، الخانقة، لصالح مرحلة الصدور الرحبة ، التى تقبل الخلاف فى الاختيارات ولا تعتبره مبررا للعداء او العسف او الالغاء، طالما كان الخلاف فى اطار الاحترام المتبادل و بعيدا عن التجريح و تبادل الاتهامات ، مع التذكر دائما ان ليبيا للجميع .
ان الطعن فى وطنية الاخرعلى ارضية الخلاف السياسى هو فى الحقيقة موقف غير وطنى.
من هنا، ومنذ عودتى استغرقنى التفكير فى كيفية تناول هذا المطلب المشروع و المباشر ، فعلى الرغم من ان الليبيين يعيشون على بحيرة نفط يقدر احتياطيها بمائة بليون برميل من اجود انواع النفط تبلغ قيمتها حسب الاسعار الحالية سبعة تريليون دولار، ، وعلى الرغم ان ارضهم تمتد على مساحة مليونى كيلومتر مربع فى احد افضل المواقع على الارض، الا ان تحقيق الحياة الكريمة يحتاج الى ما هو اكثر من ذلك ،يحتاج الى الفكر و الجهد و التنظيم البشرى القادر على صياغة مخططات تنموية من خلال احتياجات الناس ،كذلك اطلاق قوى المجتمع لتحقيق تلك المخططات على الارض ، وقبل ذلك المناخ السياسى و الثقافى المنفتح الذى يسمح بالتعرف على الاحتياجات، و الحوار المفتوح حول المخططات ، ويحقق الاستقرار الذى يجعل الجهد قادر على الاثمار.
تصورت ان تناول الموضوع فى كتاب تحت عنوان"الليبيون واستحقاقات الحياة الكريمة."هو السبيل الافضل لذلك، وبدأت بالفعل فى وضع الهيكل العام للبحث ، الامر الذى تطلب مزيد من القراءة و الاستزادة ،و فعلا وصلت مبدئيا الى هيكل يقوم على اربعة قواعد:
فقد كان المنطقى ان ابدأ من البحث فى مفهوم "الحياة الكريمة"باعتباره نتاجا للفكر الانساتى فى تطوره عبر مراحل متتالية منذ استقرار اجدادنا حول مصادر الغذاء ، و المضامين المتجددة التى اكتسبهاهذا المفهوم من خلال الانتقال عبر تلك المراحل وكذلك ارتباطه بمفهوم "السعى للسعادة" الذى ظهر فى المجتمع الانسانى الحديث ، و
























