(7) من الصفرية الى الانتاج ..اورحلة السبعمائة عام . 3

أغسطس 2nd, 2007 كتبها محمد صالح بويصير نشر في , Libya, Mohamed Buisier

ليست الديموقراطية الا تعبيرا سياسيا عن نمط حديث من  الثقافة و السلوك البشرى..

ففى ظل المجتمع الصفرى حيث يخضع الانسان للسلطة الكاملة للحاكم و الكاهن ، يقوم هذا التحالف بتحديد المسموح و الممنوع فى سلوكه ، و يضعان له قواعد العلاقات الاجتماعية و السياسية ، ويصوغان ثقافتة بغرض المحافظة على سطوتهما بمبررات تتراوح بين الحفاظ على الاصول وعدم اغضاب السماء ، وهما لا يكتفيان باجتياح الانسان وتغييب ارادته و لكن يجبرانه ايضا على ان ينقل هذا التغييب الى ابنائه عن طريق التلقين .

ولكن كنتيجة لتحرر الاقتصاد من نمط الانتاج البدائى و بداية تنشيط راس المال لعمليات الانتاج الاكثر تقدما يتحقق للفرد استقلالا متزايدا عن تحالف الحكم فى المجتمع الصفرى ، ويبدأ قطاع اوسع من المجتمع المنخرط فى العملية الاقتصادية الحديثة فى انتاج انواع جديدة من السلوك ترتبط اولا بتقسيم العمل داخله ، حيث تنتج كل طائفة مهنية او حرفية سلوكيات تتعلق بمهنتها و تصبح جزأ من متطلبات النجاح فيها  ثم نتيجة للتواصل تتداخل و تمتزج  هذه السلوكيات افقيا بين الطوائف المختلفة و تتحول الى ثفاقة وطنية، يتبناها اعداد متزايدة من افراد المجتمع.

و بينما تكون السلوكيات فى المجتمع الصفرى مفروضة من خلال الممنوعات و المحرمات بشكل ابوى ، ، فانها تبدا مع تراجع سلطانهما فى فتح الطريق امام مفهوم "الفضيلة الاجتماعية " وهى نوع من السلوكيات الفردية المستحدثة يحبذها المجتمع لانها  تساهم فى حمايته و الحفاظ على استقراره وازدهاره ، وكذلك "اللياقة" وهى قدرة الفرد على السيطرة على اطماعه وعواطفه ومساحة حركته حتى يعطى مساحة للأخر، وهما مفهومين يتبناهما الناس بالتراضى يتم من خلالهما ارساء القواعد الاهم فى السلوك الاجتماعى الجديد كما تتحقق من خلال الثقافة الجديدة درجة اعلا من "الحرية" نتيجة اعطاء كل فرد المزيد من المساحة للآخر.

ولان العمل يصبح محورالحياة، تزداد اهمية العلم الذى يغدوا اداة التنافس الرئيسية فى المجتمع ، و تصبح القيم العملية مثل الالتزام بالموعد و الدقة فى العمل والنظام و كذلك  القواعد العلمية مثل ضرورة اختبار الافعال من خلال ارتباطها بظروفها، و العلاقة بين ما هو ذاتى و ما هو موضوعى، جزء من النسيج القيمى للمجتمع الذى يبدأ فى التعرف على نسبية الاشياء ويقبل باختلاف المقاربة ، كما تصبح العملية التعليمية ترمى الى تطوير القدرة التحليلية و البحثية لدى النشء بدلا من التلقين ، و اخيرا يسود فهم عملى للأخلاق يقوم على فهم المضمون اكثر من التمسك بالشكل.

وفى هذه الحالة الجديدة يتحرر الدين من كونه اداة فى يد فئة  للتسلط على الاخرين ، ليصبح استجابة صحيحة لاحتياجات الفرد يحقق له الاطمئنان ، ودافعا له للأقبال على الحياة واغنائها والاستمتاع بثمارها ، كما تبدأ مؤسساته المستحدثة فى تقديم خدماتها للمجتمع دون محاولة التسلط عليه ، ويصبح جسر للرحمة وليس دعوة للعداء.

ومن خلال هذا التفاعل بين العلم و الحرية الذى يحرر الانسان من الجهل و الاضطهاد ، وهذا الفهم المتجدد للواقع يظهر مفهوم الدولة الوطنية، حيث تصبح المشتركات و ليس املاءات الحاكم او الكاهن هى محور التماسك بين المواطنين ، و يصبح ارساء الموسسات الكفيلة بتدوين القوانين التى تعبر عن هذه المشتركات ضروريا ، كما يكتسب القانون الذى يضعه الناس سيادته التى يمنحونها له بالتراضى، ولكى يمكن لذلك ان يتحقق تصبح العدالة و المساواة والقبول بالتنوع و التداول السلمى للسلطة ضرورية ، كما يتحول الوطن الى مشروع مشترك بين مواطنيه " فالكل يساهم .. والجميع يستفيد " .

كما تصبح هذه المشاركة المتفق عليها بالتراضى هى القاعدة التى يقوم عليها كيان الدولة التى تفرض سيادتها على مواطنيها من خلال اختياراتهم  لتحل بالتدريج محل كل من القومية او لون البشرة او الدين او حتى الولاء للحاكم ، ولذلك تتصاعد اهمية المؤسسات التى يتم من خلالها الحوار بين الاطراف الاجتماعية المختلفة حول المشتركات، وكذلك تطويرها بالتوازى مع التقدم الاجتماعى، و ايضا صياغة نتائج الحوارات فى قوانين تقوم على تفعيلها حكومة يتم اختيارها ايضا من قبل الناس ، وكذلك انشاء سلطة قضائية تضمن صحة تنفيذ القانون ،وتتحدد العلاقات بين السلطات فى "الدستور"، اى بمعنى مختصر..تؤدى الثقافة الجديدة الى " قيام الديمقراطية".

لا يتحقق قيام الديمقراطية دون ازدهار هذا النمط الحديث من الثقافة و السلوك البشرى القائم على "الفضيلة الاجتماعية" و " اللياقة " و "التمسك بالحرية" كما ان استمرارها  يتوقف على مدى عمق هذه المفاهيم فى المجتمع ، فالمجتمعات التى يحترم فيها الفرد قواعد المرور ، و الحفاظ على البيئة ، والعلم ،و ادب التخاطب ، و حسن المظهر ، و الرأفة بالضعيف ، و التمسك بحريتهم واحترام حرية الاخر دون ان يكون ذلك خوفا من العقاب هى بالتأكيد اقدرعلى بناء الديمقراطية من تلك التى يتشكل سلوك افرادها كانعكاس للخوف بانماطه ، كما ان خبو هذه  الثقافة والمفاهيم السلوكية الحديثة يمهد الطريق لسيطرة الطغيان .

ولاننا سنبحث عن هذا الطرح : القيم الحديثة و فكرة المشاركة فى الوطن و ظهور الدولة الوطنية الحديثة ، الجمهورية والدستور ، فى احداث الثورة الامريكية ، اورد هذه الحادثة "لبنجامين فرانكلين" الذى سالته سيدة عجوز " قل لى يا دكتور: هل عندنا الان جمهورية ام ملكية ؟ " فاجابها " جمهورية ياسيدتى.. طالما استطعتى الحفاظ عليها."

فمنذ اواخر القرن السابع عشر، و بعد انتقال بريطانيا من الحكم المطلق الى الملكية الدستورية التى تاكدت فيها سلطة مجلس العموم ، شاهدت الحركة الفكرية السياسية صعود لافكار جديدة تدور حول المواطنة و حقوق الناس ممتزجة بالمزيد من الربط بين العمل و الحق فى الكسب الاقتصادى والادخار و الاستثمار وبالتالى اعطاء البحث العلمى موقع مركزى من الاهتمام باعتباره اداة التنافس الاساسية فى السوق.

و مع انتقال الرواد من البريطانيين الى الاراضى الجديدة فى قارة امريكا الشمالية اتيح لهم المكان و المناخ لتنمية هذه الافكار، و اعطائها مضامينها العملية ، ساعدهم على ذلك السياسات "المركنتالية" التى كانت سائدة و التى بموجبها كان "التاج" البريطانى يحمى انتاج مستعمراته من المنافسة عن طريق الرسوم والمنع ، لذلك ومن خلال رواج صادرات المستعمرات البريطانية الثلاثة عشر فى امريكا الشمالية تشكل وضع اقتصادى تحالف فيه التجار مع المزارعين ادى الى تحولات اجتماعية و ثقافية فى اتجاهات جديدة تصب جميعها فى ترجيح كفة المواطن و تشكيلاته على السلطة الحاكمة من وراء المحيط.

ولان ولاية "ماساتشوستس" كانت تتمتع بموقع جغرافى و مصادر مياه و وسائل مواصلات اكثر تقدما فقد استطاعت ان تصبح مركزا لهذه التحولات ، فعلى المستوى الاقتصادى تحقق فيها مستوى من  الدخول يفوق المناطق الاخرى ، كما قام السوق فيها على افكار"العمالة الحرة" و حرمت فيها

المزيد