(7) من الصفرية الى الانتاج ..اورحلة السبعمائة عام . 3
كتبهامحمد صالح بويصير ، في 2 أغسطس 2007 الساعة: 16:57 م
ليست الديموقراطية الا تعبيرا سياسيا عن نمط حديث من الثقافة و السلوك البشرى..
ففى ظل المجتمع الصفرى حيث يخضع الانسان للسلطة الكاملة للحاكم و الكاهن ، يقوم هذا التحالف بتحديد المسموح و الممنوع فى سلوكه ، و يضعان له قواعد العلاقات الاجتماعية و السياسية ، ويصوغان ثقافتة بغرض المحافظة على سطوتهما بمبررات تتراوح بين الحفاظ على الاصول وعدم اغضاب السماء ، وهما لا يكتفيان باجتياح الانسان وتغييب ارادته و لكن يجبرانه ايضا على ان ينقل هذا التغييب الى ابنائه عن طريق التلقين .
ولكن كنتيجة لتحرر الاقتصاد من نمط الانتاج البدائى و بداية تنشيط راس المال لعمليات الانتاج الاكثر تقدما يتحقق للفرد استقلالا متزايدا عن تحالف الحكم فى المجتمع الصفرى ، ويبدأ قطاع اوسع من المجتمع المنخرط فى العملية الاقتصادية الحديثة فى انتاج انواع جديدة من السلوك ترتبط اولا بتقسيم العمل داخله ، حيث تنتج كل طائفة مهنية او حرفية سلوكيات تتعلق بمهنتها و تصبح جزأ من متطلبات النجاح فيها ثم نتيجة للتواصل تتداخل و تمتزج هذه السلوكيات افقيا بين الطوائف المختلفة و تتحول الى ثفاقة وطنية، يتبناها اعداد متزايدة من افراد المجتمع.
و بينما تكون السلوكيات فى المجتمع الصفرى مفروضة من خلال الممنوعات و المحرمات بشكل ابوى ، ، فانها تبدا مع تراجع سلطانهما فى فتح الطريق امام مفهوم "الفضيلة الاجتماعية " وهى نوع من السلوكيات الفردية المستحدثة يحبذها المجتمع لانها تساهم فى حمايته و الحفاظ على استقراره وازدهاره ، وكذلك "اللياقة" وهى قدرة الفرد على السيطرة على اطماعه وعواطفه ومساحة حركته حتى يعطى مساحة للأخر، وهما مفهومين يتبناهما الناس بالتراضى يتم من خلالهما ارساء القواعد الاهم فى السلوك الاجتماعى الجديد كما تتحقق من خلال الثقافة الجديدة درجة اعلا من "الحرية" نتيجة اعطاء كل فرد المزيد من المساحة للآخر.
ولان العمل يصبح محورالحياة، تزداد اهمية العلم الذى يغدوا اداة التنافس الرئيسية فى المجتمع ، و تصبح القيم العملية مثل الالتزام بالموعد و الدقة فى العمل والنظام و كذلك القواعد العلمية مثل ضرورة اختبار الافعال من خلال ارتباطها بظروفها، و العلاقة بين ما هو ذاتى و ما هو موضوعى، جزء من النسيج القيمى للمجتمع الذى يبدأ فى التعرف على نسبية الاشياء ويقبل باختلاف المقاربة ، كما تصبح العملية التعليمية ترمى الى تطوير القدرة التحليلية و البحثية لدى النشء بدلا من التلقين ، و اخيرا يسود فهم عملى للأخلاق يقوم على فهم المضمون اكثر من التمسك بالشكل.
وفى هذه الحالة الجديدة يتحرر الدين من كونه اداة فى يد فئة للتسلط على الاخرين ، ليصبح استجابة صحيحة لاحتياجات الفرد يحقق له الاطمئنان ، ودافعا له للأقبال على الحياة واغنائها والاستمتاع بثمارها ، كما تبدأ مؤسساته المستحدثة فى تقديم خدماتها للمجتمع دون محاولة التسلط عليه ، ويصبح جسر للرحمة وليس دعوة للعداء.
ومن خلال هذا التفاعل بين العلم و الحرية الذى يحرر الانسان من الجهل و الاضطهاد ، وهذا الفهم المتجدد للواقع يظهر مفهوم الدولة الوطنية، حيث تصبح المشتركات و ليس املاءات الحاكم او الكاهن هى محور التماسك بين المواطنين ، و يصبح ارساء الموسسات الكفيلة بتدوين القوانين التى تعبر عن هذه المشتركات ضروريا ، كما يكتسب القانون الذى يضعه الناس سيادته التى يمنحونها له بالتراضى، ولكى يمكن لذلك ان يتحقق تصبح العدالة و المساواة والقبول بالتنوع و التداول السلمى للسلطة ضرورية ، كما يتحول الوطن الى مشروع مشترك بين مواطنيه " فالكل يساهم .. والجميع يستفيد " .
كما تصبح هذه المشاركة المتفق عليها بالتراضى هى القاعدة التى يقوم عليها كيان الدولة التى تفرض سيادتها على مواطنيها من خلال اختياراتهم لتحل بالتدريج محل كل من القومية او لون البشرة او الدين او حتى الولاء للحاكم ، ولذلك تتصاعد اهمية المؤسسات التى يتم من خلالها الحوار بين الاطراف الاجتماعية المختلفة حول المشتركات، وكذلك تطويرها بالتوازى مع التقدم الاجتماعى، و ايضا صياغة نتائج الحوارات فى قوانين تقوم على تفعيلها حكومة يتم اختيارها ايضا من قبل الناس ، وكذلك انشاء سلطة قضائية تضمن صحة تنفيذ القانون ،وتتحدد العلاقات بين السلطات فى "الدستور"، اى بمعنى مختصر..تؤدى الثقافة الجديدة الى " قيام الديمقراطية".
لا يتحقق قيام الديمقراطية دون ازدهار هذا النمط الحديث من الثقافة و السلوك البشرى القائم على "الفضيلة الاجتماعية" و " اللياقة " و "التمسك بالحرية" كما ان استمرارها يتوقف على مدى عمق هذه المفاهيم فى المجتمع ، فالمجتمعات التى يحترم فيها الفرد قواعد المرور ، و الحفاظ على البيئة ، والعلم ،و ادب التخاطب ، و حسن المظهر ، و الرأفة بالضعيف ، و التمسك بحريتهم واحترام حرية الاخر دون ان يكون ذلك خوفا من العقاب هى بالتأكيد اقدرعلى بناء الديمقراطية من تلك التى يتشكل سلوك افرادها كانعكاس للخوف بانماطه ، كما ان خبو هذه الثقافة والمفاهيم السلوكية الحديثة يمهد الطريق لسيطرة الطغيان .
ولاننا سنبحث عن هذا الطرح : القيم الحديثة و فكرة المشاركة فى الوطن و ظهور الدولة الوطنية الحديثة ، الجمهورية والدستور ، فى احداث الثورة الامريكية ، اورد هذه الحادثة "لبنجامين فرانكلين" الذى سالته سيدة عجوز " قل لى يا دكتور: هل عندنا الان جمهورية ام ملكية ؟ " فاجابها " جمهورية ياسيدتى.. طالما استطعتى الحفاظ عليها."
فمنذ اواخر القرن السابع عشر، و بعد انتقال بريطانيا من الحكم المطلق الى الملكية الدستورية التى تاكدت فيها سلطة مجلس العموم ، شاهدت الحركة الفكرية السياسية صعود لافكار جديدة تدور حول المواطنة و حقوق الناس ممتزجة بالمزيد من الربط بين العمل و الحق فى الكسب الاقتصادى والادخار و الاستثمار وبالتالى اعطاء البحث العلمى موقع مركزى من الاهتمام باعتباره اداة التنافس الاساسية فى السوق.
و مع انتقال الرواد من البريطانيين الى الاراضى الجديدة فى قارة امريكا الشمالية اتيح لهم المكان و المناخ لتنمية هذه الافكار، و اعطائها مضامينها العملية ، ساعدهم على ذلك السياسات "المركنتالية" التى كانت سائدة و التى بموجبها كان "التاج" البريطانى يحمى انتاج مستعمراته من المنافسة عن طريق الرسوم والمنع ، لذلك ومن خلال رواج صادرات المستعمرات البريطانية الثلاثة عشر فى امريكا الشمالية تشكل وضع اقتصادى تحالف فيه التجار مع المزارعين ادى الى تحولات اجتماعية و ثقافية فى اتجاهات جديدة تصب جميعها فى ترجيح كفة المواطن و تشكيلاته على السلطة الحاكمة من وراء المحيط.
ولان ولاية "ماساتشوستس" كانت تتمتع بموقع جغرافى و مصادر مياه و وسائل مواصلات اكثر تقدما فقد استطاعت ان تصبح مركزا لهذه التحولات ، فعلى المستوى الاقتصادى تحقق فيها مستوى من الدخول يفوق المناطق الاخرى ، كما قام السوق فيها على افكار"العمالة الحرة" و حرمت فيها العبودية ، و على المستوى السياسى تكونت "لقاءات قاعات المدن" وهى نوع من الديمقراطية المباشرة التى تحتاج الى درجة عالية من "اللياقة" حيث تكون دائما هناك مساحة للآخر ، كما ظهرت الصحف والمطبوعات ، وبدأت فكرة"الفضيلة الاجتماعية" حيث يقوم الفرد تطوعا بسلوك يؤدى الى تقدم وازدهارالمجتمع فى البروز ، الامر الذى تمثل بشكل واضح عندما تبرع "جون هارفرد" بنصف ثروته و 400 كتاب لاقامة جامعة "هارفرد" و مكتبتها ، لتبدأ فى تخريج العلماء و لتكون سابقة يتبعها اقامة ثمانية جامعات اخرى فى كافة المستعمرات ،"جورج تاون" فى ميريلاند ، "يال" فى كناكتيكت ، " وليام وميرى " فى فرجينيا،" كينجز كوليج " فى نيويورك ، جامعة "رود ايلاند" ، " برنستون " فى نيوجيرسى ، "كلية دارتموث" فى نيو هامبشير ، وجامعة "بنسلفانيا" ، وعلى الرغم ان بعض من ساهم فى اقامة هذه الصروح العلمية كانوا من رجال الدين الا ان تأثير الافكار الجديدة اتضح باستثمارهم اموالهم وجهدهم فى بناء مراكز للبحث العلمى بدلا من تزيين و توسيع الكنائس و دور العبادة و المقابرو مقامات القديسين.
كما انتشرت افكار "الجمهورية" التى تقوم على سلطة "الشعب" الحر الذى يتسابق لتحقيق التقدم من خلال "الفضيلة الاجتماعية"، والذى بتبنى "اللياقة" يستطيع تحقيق "الاتفاقات الوسط" التى لا تقوم على الالغاء ، والتى تعتبر فساد السلطة و التفرد بها مقتل الحرية.
فى هذه الاجواء ، و بداية من عام 1763 قام الملك "جورج" بناء على قرار البرلمان فى لندن بفرض رزمة من الضرائب على المستعمرات فى امريكا الشمالية ، على الشاى و السكر و العملة و كذلك ضريبة للدمغة ، بدون استشارة اهالى المستعمرات بدعوى ان "كل ما يفيد الامبراطورية يفيد رعاياها" ، وعلى الرغم من ان قيمة الضرائب كانت اقل مما يدفعه المواطنون الانجليز فى بريطاني الا ان فرضها اثار غضب اهالى المستعمرات و تسبب فى اطلاق احداث عنف بدأت فى "بوسطن " ثم تطورت الى ثورة شاملة فى الولايات الثلاثة عشر.
توحد اهل المستعمرات حول الافكار الجمهورية كما وحدهم مقتهم للفساد الذى اعتبروه خروجا على "الفضيلة الاجتماعية" التى تفترض ان يقدم الانسان الصالح العام على مطامعه الشخصية ، و اعتبروا ان التحالف الذى يقوده الملك والذى يضم البلاط و الارستقراطية المتوارثة هو مصدر الفساد من خلال مظاهر البذخ التى يمقتها الامريكيون ، كما برزت لدى النساء ظاهرة "الام الجمهورية" التى تربى ابناءها على "الفضيلة الاجتماعية" ، ونشر التمسك بالحرية و مبادئ الجمهورية وضرورة التضحية من اجلها ، و ابعادهم عن البذخ والمباهاة بالثروة، كما برز "الاباء المؤسسون" مثل باتريك ليهى ، و صوموائيل آدم ، و بنيامين فرانكلين ، وكوينزى آدامز ، وتوماس جيفرسون ، يعبرون عن احلام الناس فى الاستقلال والديمقراطية و بناء الجمهورية.
بدأت مقولة باتريك ليهى" لقد هبط الملك برفضه لمطالبنا من منزلة الاب الى منزلة الطاغية الذى يستبيح حقوق رعيته " تنتشر و اخذت "لجان الاتصال" تتكون فى مختلف المستعمرات ، وعقد اللقاء الاول للكونجرس القارى الذى ضم مندوبى المستعمرات فى نيويورك ليصدر "لائحة الحقوق و المظالم" ، و ليطالب السكان بتكوين المليشيات و مساندة اهل بوسطن ، و ليبدأ جيش المستعمرات المكون من ميليشيات بقيادة "جورج واشنطن" فى القتال ضد الجيش البريطانى الاكثر تفوقا .
رد الملك باعتبارهم خونه و اصدر القوانين التى تمنع الاجتماعات السياسية و اغلاق ميناء بوسطن و اجبار سكانها على سداد مصروفات المسئولين الانجليز الذين ارسلوا للسيطرة على الاوضاع ، الا ان قوات الثورة نجحت فى حصار الجيش البريطانى واجبروه على اخلاء بوسطن ، وبدأ "الوطنيون" كما بداوا يعرفون فى السيطرة على الاوضاع فى مختلف الولايات ، ومع بقاء بعض "الموالين" "للملك" من اتباع الكنيسة الانجليكانية و كبار التجار ذوى المصالح مع لندن ، استطاع "الوطنيون" تحقيق درجة عالية من الوحدة الفكرية تمحورت كلها حول المفاهيم الجمهورية الجديدة على الرغم من الفوارق الطبقية و الثقافية.
ومن خلال هذه الوحدة الفكرية بدأت الولايات فى تكوين مجالسها ووضع دساتيرها ابتداء "بماساتشوستس" عام 1774 ، فانعكست في عملية صياغة هذه الدساتير ظاهرة "الحلول الوسط" و التى جعلت دساتير الولايات تعبر عن توازن القوى داخل معسكر الوطنيين فى كل منها، ففى الولايات التى يتمتع فيها الاغنياء بنفود اكبر مثل "ماساتشوستس" و "نيويورك" جعلت ملكية الارض شرطا للتصويت ، و اعطى مجلس الشيوخ سلطات اوسع من النواب ، كما منح الحاكم سلطات اكبر و لم يوضع حد لعدد الوظائف العامة التى يمكن ان يتولاها الشخص ، اما فى تلك التى استطاع فيها الفقراء تنظيم انفسهم مثل نيوجيرسى و نيوهاميشير فقد اشترطت ملكيات اصغرللتصويت ، و اعطيت سلطات اكبر لمجالس النواب ، وقلصت سلطات الحكام ، ومنع تولى الشخص لاكثر من منصب ، مع الاتفاق فى كل الحالات على مبادئ الحرية و الجمهورية.
ان قراءة متانية "لاعلان الاستقلال" الذى اصدره الكونجرس الثانى فى فيلادلفيا فى 4 يوليو1776 وبعد عام من اندلاع القتال لا تترك مجالا للشك فى ان " الديموقراطية تعبيرسياسى عن نمط حديث من الثقافة و السلوك البشرى" :
فقد استندت مقدمة الوثيقة التى كتبها "توماس جيفرسون" على حق الناس فى تقرير مصيرهم وان هذا الحق المنطقى القائم على قوانين الطبيعة هو حق للجميع .
كما طرح "الاستهلال" فكرة ان الخالق الذى خلق الناس متساويين اعطاهم الحق فى الحياة و الحرية و السعى الى السعادة "وهو هنا يساوى بين السعى للحياة الكريمة وبين الحرية و الحياة " .
وجعل من الحفاظ على هذه الحقوق الثلاثة المبرر لقيام الحكومات بين الناس ، الحكومات التى تستمد سلطتها العادلة من تفويض المحكومين ، الذين يحق لهم ان يزيحوها ان حادت عن ذلك ، وان يقيموا حكومة جديدة تقوم على تلك المبادئ ، لان ذلك يضمن سلامتهم وسعادتهم " عندما يتعرض الناس لضغوط الاستبداد ، يصبح من حقهم بل من واجبهم الاطاحة بالحكومة ، لانهم بذلك يحمون مستقبله" .
وكذلك تمت ادانة الملك فى الاعلان ليس لكونه ملكا و لكن على قاعدة افعاله ، فهو "منع استقلال القضاء" ، و "فرض الضرائب دون موافقتنا" ، و " منعنا من التقاضى امام المحلفين" ، و "قطع تجارتنا مع العالم" ، و " الغى قوانيننا و لوائحنا و لم يستجب لمطالبنا " ، و يخلص الى عبارة سياسية تحمل كل ثراء الثقافة الجديدة " ان هذه التصرفات تدل على كونه طاغية ، ولايمكن لطاغية ان يبقى حاكما لناس احرار ".
كما ينهى ادانة الملك بخطاب للشعب البريطانى يحمل مفهوما جديدا لقضية الحرب و السلام التى لم تعد تقوم على العداء الدينى او القومى مما يجعله دائما، ولكنه خلاف يدور حول موضوع محدد ينتهى بانتهائه " الى الاشقاء فى بريطانيا .. اذا اعتبرناهم اعداء فى الحرب ، فاننا سنعتبرهم اصدقاء فى السلام ".
ويختمه بالاعلان " نحن ممثلوا الولايات المتحدة الامريكية ، باسم الناس الطيبين من سكان هذه المستعمرات ، نستعمل حقنا بل واجبنا فى ان نصبح ولايات مستقلة ، و نفض اى تبعية او ولاء لبريطانيا العظمى ، و نعلن كامل سلطة الولايات المتحدة فى ان تعلن الحرب وتقيم السلام و تعقد التحالفات و تمارس التجارة ، ومن خلال تمسكنا بالدفاع عن هذه المقاطعات نتعهد بان نقدم لبعضنا حياتنا و ثرواتنا و شرفنا المقدس" .
حاول جيفرسون وضع عيارة فى الاعلان تهاجم "استعباد الناس و الاتجار بهم" الا انها ازيحت للحفاظ على وحدة المجتمعبن، هذه الوحدة التى تظهر اهميتها فى الكلمة التى القاها عند تقديمه للمسودة الى المندوبين حين قال " ان لم نتعلق ببعض .. فاننا سنعلق فرادا " فى اشارة بليغة لمصيرهم اذا فشلوا بسبب الانفراط .
استمرت الحرب حتى 1781 حيث استطاع جيش الولايات المتحدة بمساعدة الفرنسيين هزيمة الجيش البريطانى فى "يورك تاون" ثم تم توقيع معاهدة سلام فى باريس ، وليعقد اجتماع فى فيلادلفيا عام 1787 لوضع الدستور الاتحادى ، والذى جاء بدوره تدوينا لهذه الثقافة الجديدة التى استطاعت تحقيق انتصارها فى الميدان ومن خلال تضحيات الناس الذين امنوا بها.
فعندما برز الخلاف فى البداية حول التوازن بين الحكومة الاتحادية والولايات ، بين الولايات الغنية كبيرة العدد التى تحبذ هيمنة الحكومة الاتحادية و الولايات الاصغر التى تعارض ذلك من خلال مشروعين مختلفين قدما للأجتماع ، الاول قدمته فرجينيا وهى ولاية غنية ، يتحدث عن برلمان بمجلسين يختار الرئيس و يستطيع الغاء قوانين الولايات ، بينما قدمت نيوجيرسى وهى من الولايات الصغيرة مشروع مقابل يوازن بين السلطة المركزية و الولايات ، ولحل الخلاف حسب قواعد "الحلول الوسط" التى تقتضيها " اللياقة " تم اقرار حل ، تضمنه نص الدستور، يجعل مجلس النواب ينتخب حسب عدد السكان بينما يتم تمثيل الولايات فى مجلس الشيوخ بالتساوى ، ويعطى مجلس الشيوخ سلطة الرقابة على مجلس النواب .
كما كان استهلال الدستور بعبارة "نحن الشعب" تعبير عن القوة الصاعدة التى بدات منذ ذلك الوقت فى صناعة تاريخ جديد للبشر ، كما توضح ان هذا الدستور ليس "ميراثا مقدسا" ولا "منحة من حاكم" ولكنه نتيجة ارادة شقت طريقها بالتضحيات الى هذه اللحظة التاريخية ، وحافظت على وحدة اطرافها من خلال الحوار و القبول بالاختلاف.
كذلك حدد الامريكيون اهدافهم فى الدستور" تكوين اتحاد قوى ، تحقيق العدالة ، التاكيد على الاستقرار ، التصدى للدفاع عن الوطن ، نشر الازدهار ، تأمين نعمة الحرية علينا و على ذريتنا" ، كما طرحت افكار جديدة عن حقوق المواطن سيطرت عليها الافكار الجمهورية وكذلك رؤى ملاك الارض و التجار الذين مثلوا الحاضنة الاساسية للثورة ، خرجت المسودة من اجنماع "فيلادلفيا" وذهبت الى مجالس الولايات ، وليتم التصديق على الدستور من قبل الولايات بعد نقاشات عاصفة استمرت عامين تقريبا.
لقد جاء الدستورفى التحليل الاخير بغايتين اساسيتين :الاول هو حماية المواطن من الطغيان ، من خلال الفصل و التوازن بين السلطات ، و تدوين كل افكار الثقافة الجديدة حول حرية المواطن و حصانته وحقه فى السعى الى السعادة ، تلك الافكار التى تبلورت من خلال حوارات ونضالات طويلة تداخل فيها العلم مع الاقتصاد مع السياسة ، اما الثاني فهو تكريس حق الناس فى ادخال التعديلات على الدستور كلما رأوا ان ذلك ضروريا ، باعتبار ان اى انتاج بشرى هو وقتى ، وعلى قاعدة ان تطوير التشريعات بالتوازى مع تطور الحياة هو ضمان بقائها حية و فاعلة .
كان ذلك اعلان مبكر بان الدساتير هى انعكاس لرؤية الشعوب لمستقبلها ، لذا فهى لابد وان تاتى بعد حوارات طويلة موضوعية و حرة حول المستقبل ، اما استعمالها لمحاولة شرعنة الواقع او اجترار الماضى فهو يجردها من دورها المركزى و التقدمى فى الحياة السياسية، ولتاكيد هذه الطبيعة المستقبلية ، وضعت آليات لتعديل الدستور تتطلب موافقة ثلثى اعضاء المجلسين او ثلثى الولايات ، وهى تضاف الى النص ولا تحل محل النصوص السابقة التى تبقى لتعكس التطور التاريخى .
جاءت التعديلات السبعة و العشرون للدستور لتصب فى توسيع حقوق المواطن فى مواجهة السلطة ، فقد كانت التعديلات من الاول الى العاشر و التى اطلق عليها "لائحة الحقوق" بناء على تخوف "توماس جيفرسون" من طغيان الحكومة الاتحادية ، و كذلك استجابة لانتقادات برزت اثناء التصديق عليه من قبل الولايات ، فاقر التعديل الاول حرية الديانة ومنع الحكومة من تفضيل دين على آخر ، وحمى حرية التعبير و النشر ، و حرية الاجتماع والحق فى المطالبة بالحقوق ، اما الثانى فكرس الحق فى حمل السلاح و تكوين الميليشيات التى تقاوم محاولة الحكومة للأستبداد ، كما منع الثالث الحكومة من ايواء قواتها فى املاك المواطنين دون مقابل ، وحظر الرابع الاعتقال او تفتيش الممتلكات دون اذن قضائى لا يصدر الا على قناعة بان التحقيق فى جريمة قد ارتكبت توجب ذلك ، اما الخامس فيسمح للمتهم بالامتناع عن اجابة الاسئلة التى قد تؤدى الى ادانته التى يوجهها له المحقق او حتى القاضى ، ويستمر ليعطى التاسع حقوق المواطنين التى لم تذكر نصا فى الدستور نفس الحصانة للحقوق المذكورة نصا .
وتسبب الخلاف حول التعديل الثالث عشر والذى ينص على تحرير العبيد فى كل الولايات المتحدة ، بين الولايات الشمالية التى كانت قد منعته منذ القرن السايع عشر و الولايات الجنوبية التى ارادت التمسك به ،الى وقوع الحرب الاهلية فى 1861 وليقر بعد انتصار الشمال عام 1865 وليصبح الرق" خطيئة وطنية و جريمة اخلاقية ".
هكذا ومن خلال تطور الثقافة الجديدة و اكتشاف الناس صواب القيم التى جاءت بها و التى جعلت الفرد اساس المجتمع بدلا من ان يكون فقط جزء منه ، والسلوكيات الفردية التى قامت على هذه الثقافة ، حدث الانتقال من الصفرية الى الانتاج فى امريكا ، وليحقق الامريكيون معجزتهم ، والتى يمكن ان نعرف حجمها اذا قارنا الدخل القومى للولايات المتحدة ، الذى زاد من 7 مليار دولار تقريبا عام 1800 الى 10 ترليون عام 2000 اى 1400 ضعفا " مقدرة بالدولارالثابت القوة الشرائية" بالاضافة الى التقدم العلمى و التقنى الذى اخذ يشكل الحياة فى العصر الحديث .
الامر الذى لا يعنى ابدا انتهاء المظالم اوالوصول الى اى حالة كاملة و نهائية فنتاج الجهد البشرى سيستمر فى تطوير الحياة طالما كان هناك بشر.
من خلال مراجعتنا للتجربة البريطانية فى المقال السابق ، والامريكية فى هذا المقال ، والفرنسية فى المقال القادم ـ باذن الله ـ نكون قد تعرفنا على تلك الشروط التى حققتها هذه الشعوب كى تحقق الانتقال من الصفرية الى الانتاج ، واقامة المجتمعات الحيوية التى تتيح للأنسان تحقيق الحياة الكريمة.
قبل ان اختم اود ان اذكر سؤال لصديق تناقشت معه حول هذا المقال ، فقد سألنى "ولكن الا توجد لدينا جمهوريات..اين يكمن الفرق ؟ " اجبته .. "الفرق هو فى معيار واحد " اذا كانت هذه الجمهوريات.. تصون حرية المواطن وحقه فى الحياة الكريمة فهى جمهوريات حقيقية ، اما ان لم تفى بهذا المعيارفهى دكتاتوريات تحاول ان تتخفى وراء التسمية ".
واعتذران اطلت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : Libya, Mohamed Buisier | السمات:Libya, Mohamed Buisier
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 16th, 2007 at 16 أغسطس 2007 2:41 ص
ادخل وشارك بأعتبارك من مواطني امريكا
http://franceegypte.maktoobblog.com/?post=463157
نوفمبر 6th, 2007 at 6 نوفمبر 2007 7:06 م
السلام عليكم أيها السيد الفاضل محمد بويصير
كنا قبيل أن ندون حرفاً واحداً بخصوص حوار أفتراضي ( الاتجاه المعاكس ) و أخي بنغازي17 ونشر بليبيا المستقبل …كنا نعرف أن مداركك ستصل بنا الى تفهم القصد الحواري أي أننا نعرف حرجك الليبي وجذوره , ولكننا نعرف كذلك أن تعلم الديمقراطية يجعل صدرك يسعنا جميعاً ..أو هذا التعلم لإحترام الرأي الاخر …نطالبك بل نرجوك أن تساهم معنا لأجل بداية ذاك الحوار ,
أبنتك أمال منير /بطرابلس
نوفمبر 6th, 2007 at 6 نوفمبر 2007 8:45 م
استاذى العزيز
تشرفة بزيارتك
واحب ان اقول لك اننى لسة كاتب بما تعنى الكلمة او اقتصادى اوباحث
ولكن بمنطق الانسان العادى اعرف ان الانسان فقط هو جوهر التنمية والتقدم وما دام الانسانفى مجتمعاتنا الشرقية المتخلفة هو عنصر ثانوى يتعرض لك انواع التنكيل والكبت والعبودية والاضطهاد النفسى والجسدى فيعنى هذا ان كل مشاريع التنمية فى بلادنا مشاريع فاشلة وتجرنا الى الوراء لان الانسان هوروح الدنيا وجوهرها والى ان تكبرعقول اولى الامر فينا من سياسين وحكام ويتنبهو الى ما صار له الوطن نبقى نحن كما نحن فى تخلفنا وعبوديتنا وجهلنا
دمت مبدع ومتالق
مع تحياتى الريانى من ليبيا على امل التواصل الدائم