من الصفرية الى الانتاج … او رحلة السبعمائة عام. 2/2

كتبهامحمد صالح بويصير ، في 24 يوليو 2007 الساعة: 04:16 ص

 

تاتى التغيرات السياسية دائما لاحقة على التحولات الاجتماعية .

فهى فى الواقع نتيجة لها ، ذلك ان الوضع السياسى هو التعبير الفوقى عن بنية المجتمع بمكوناتها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية ، وهو يحمل سمات تلك البنية وخصائصها، كما انه فى نفس الوقت نتاج للتوازن بين الاطراف المتنافسة داخل المجتمع ، ولا  يتغير و يعاد صياغته الا كلما استطاعت قوى اجتماعية صاعدة ان تستجمع ما تحتاجه من قوة كى تحقق الغلبة لتطلعاتها و اهدافها وافكارها على القوى المسيطرة القديمة.

ويتطلب اطلاق التحولات الاجتماعية جهد متعدد الابعاد و الاتجاهات على مستوى البنية الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية للمجتمع من خلال رؤية تقدمية قادرة على استيعاب الواقع و هضمه و تحديد الغايات ومنهاالاهداف المرحلية التى يمكن بها تحفيز قوى اجتماعية صاعدة و قادرة على تبنى هذه الاهداف و السير بها نحو المستقبل .

وعلى الرغم ان التاريخ يشهد على تجارب حاولت فيها قوى سياسية احداث التحولات الاجتماعية التى حلمت بها عنوة اوبالاجبار السياسى والعنف ، و بجهد فوقى قام على حقيقة سيطرتها على السلطة فقط ، فان تلك التغييرات لم تحقق نتائجها ، ولم تؤثر فى العمق ، وجاءت بعكس اهدافها احيانا ، بل ادت فى بعض الاحيان الى ادخال المجتمع فى اوضاع كارثية، وهى فى كل الاحوال لم يكتب لها البقاء بعد زوال سلطة تلك القوى ، لانها كانت دائما تعبيرا عن رفض عاطفى للواقع او افكار ذاتية او استعارات ماضوية ، قد تبدوا نبيلة او حتى مبهرة و لكنها افتقرت للفهم الموضوعى للبنية الاجتماعية و قوانين حركتها ، كما حصنت بالقوة من النقد وبالتالى حرمها اصحابها من امكانيات النجاح .

ذلك ان التحول الاجتماعية لا ياتى نتيجة لقرار السياسي ولكن القرار السياسى يكون نتيجة للتحول الاجتماعى.

وعلى نفس المنوال يعتقد الكثير من النشطين السياسيين ، فى ليبيا و العالم العربى ، ان حل المشكل السياسى المتمثل بالتفرد بالحكم او التسلط او تغييب المشاركة الشعبية او القمع او الفساد سوف يتحقق بمجرد تغييرالوضع السياسى او التخلص منه ، فى حين ان القراءة المتأنية للتاريخ العربى الحديث تنبئ بعكس ذلك ، فكل الدكتاتوريات العربية قدمت نفسها ببيانات تتحدث عن العدالة و الحرية والازدهار و انتهت الى عكس ذلك تماما على يد دكتاتوريات اخرى تجتر نفس البيان ولكن بتوقيع جديد.

ان مراجعة مائة عام من التاريخ العربى زخرت بالانقلابات و الثورات و الشعارات ، ادت الى ما نراه اليوم يطرح علينا بقوة ضرورة البحث عن اساليب جديدة للعمل بعد فشل الاسلوب الانقلابى فى تغيير الواقع ، اساليب قد تكون بطيئة التاثير و النتائج ، كما انها ليست فاقعة فليس فيها "بيان اول" ولكن بيانات مستمرة تصدر كل يوم من كل الناس ترصد جهد الملايين من الليبيين والليبيات فى بناء بلادهم ، وهى لاترمى لتحريك "كتائب الدبابات" ولكن تحفيز كتائب المهندسين و الاطباء و المدرسين و رجال القانون كل فى موقعه ليقدم للمجتمع افضل ما عنده ، وهى لا تنظم "الخلايا السرية" ولكن تفتح الحوارات العلنية فى كل مدرسة ومنتدى و مسجد  وتطرح كل المواضيع للنقاش فى الهواء الطلق بلا خوف ، تستخرج من هموم الناس واحلامهم مشروع ليبى جديد ، ليس العنف سلاحه و لكن المعرفة و القدرة على التعبير عن الخلاف ورفع المطالب دون اسفاف ، ليس من غاياتها هزيمة احد ولكنها تقوم على ضرورة اقناع الجميع للانضمام وبذل الجهد فى "الحرب ضد التخلف" و الانتصار عليه وطرد الفقر و الجهل و المرض نهائيا من بلادنا .   

هذا ما دعانى الى هذه المحاولة .

محاولة الغوص بادواتى المحدودة، لفهم اشكاليات البنية الاجتماعية فى ليبيا ، ومحاولة ابرازها للضوء مع علمى ان هذا العمل لن يكسبنى الشعبية التى يسعى اليها السياسيون ، فالناس تحب سماع من يقول لهم "انتم رائعون ولولا هذا الحاكم لكنتم افضل شعوب الارض " ولا تحب من يمكن ان يقول لها "نحن بجهلنا و تخلفنا المادى و الثقافى و بنفاقنا الاخلاقى وانانيتنا ، وباغراقنا فى الماضى وولوجنا فى الخرافة لن نحصل على ما هو افضل مما لدينا ، و ان اردنا ما هو افضل فعلينا ان نعصرعقولنا من اجل وعى جديد ثم نشمر على سواعدنا للعمل،وان نبدأ دائما بانفسنا."

ان تحول مجتمعنا الليبى من الصفرية الى الانتاج لن يحدث لمجرد ان لدينا مخزون من النفط ،ولن يحدث ايضا بانقلاب عسكرى ،او من خلال اغتيال سياسى ،ولا باستعارات ساذجة وعاطفية من الماضى ، ولكن فقط بفهم الشروط التى يجب تحقيقها لانجاح التحول ،الامر الذى يستدعى فهم كيف حققته المجتمعات الاخرى كى تنتقل كل حسب تجربته و ظروفه ، ثم التعرف التشريحى على اوضاعنا ، واخيرا طرح رؤؤس اقلام لحوار مفتوح حول اتجاهات الجهد كى نستوفى شروط الانتقال الى المجتمع الحيوى الذى نستطيع فيه بناء "الحياة الكريمة".

ان هذا التحول لن يحققه شخص و لا حزب و لا فئة اجنماعية واحدة ، بل لن يحدث الا من خلال جهد جماعى يشارك فيه كل الناس من خلال فهم جديد للآمور يقوم على خطاب سياسى" نقدى موضوعى متدرج ومتفائل واثق فى المستقبل" تتم صياغته من خلال حوار" مستديم عقلانى  خلاق " مبنى على القبول بالآخر و احترام حقه فى الخلاف.

من هنا كان ضروريا ان نسترجع المرحلة التى بدأت فيها اولى المجتمعات الانتقال من الصفرية الى المجتمعات الانتاجية بحيويتها و حرياتها ، دون ان يعنى ذلك اسقاط للتاريخ على الواقع ، فنحن لا نعيش فى اوروبا، كما اننا لن نحتاج الى سبعمائة عام ان استطعنا انتاج الوعى و بذل الجهد بالقدر وفى الاتجاه الصحيح ، و فى نفس الوقت قد نبقى فى محل الصفر الحسابى لألف عام ان لم ننجح فى ذلك ، فالزمن هنا يقاس بالقدرة على استيفاء الشروط.

 هناك شعوب حققت قفزتها فى اقل من ثلاثين عاما مثل كوريا الجنوبية و ماليزيا وشعوب اخرى ستحققها فى اقل من ذلك الزمن مثل تشيكيا وفيتنام ، مستفيدة من ان العالم الان هو اكثر قدرة ورغبة فى ضم المزيد من الشعوب الى " نادى المتقدمين" لارتباط ذلك عضويا بشروط تقدمه.

وبالعودة الى الانتقال الاول من الصفرية الى المجتمع الانتاجى..

دخل العالم الى القرن"السابع عشر" وقد احدثت مجموعة من المؤثرات والاحداث التى شهدتها القرون الاربعة السابقة تغيرات اساسية فى البنية الاجتماعية فى بعض مناطق اوروبا وبالتالى فى التوازن بين القوى الصاعدة، و بين القوى التقليدية المتمثلة فى التحالف "الاقطاعى/ الكنسى" التى كانت لا تزال تطمح فى الحفاظ على وضعها السياسى الذى يضمن لها استمرار هيمنتها .

ذلك ان تحالف القوى الصاعدة التى لم يعد نشاطها الاقتصادى يعتمد على الارض التى يسيطر عليها الاقطاع ،والتى تحتضنها مدن قطعت شوطا فى اقتصاديات النمط "المركنتالى" الذى بدأ قادر على توفير الوظائف لسكانها ودعم ظهورالدولة الوطنية ، كما ادى تحررها من الهيمنة الكنسية بسبب حركة الاصلاح الدينى "البروتستنتى" الى صعود قوى تحررية جديدة ،كذلك ادى بروز قيمة  العمل والنجاح والادخار على قاعدة "اخلاق العمل الكلفنية "الى تقدم الصناعة وتعاظم تاثيرها فى اقتصاديات المجتمع ، وفى ظل تطورمعرفى وعلمى سمح به انتشار المواد المطبوعة طوعت التكنولوجيا لتغيير الحياة  ، وببروز منابر للحرية الفكرية فى الجامعات التى انتشرت تتنافس فى العمل على تنوير مجتمعاتها صار من الممكن صياغة هذه التحولات فى اطروحات فكرية.

الا ان بعض المجتمعات كانت اكثر قربا من تحقيق الانتقال لذا جاء التعبير السياسى عنه فيها سابقا على الاخرين، كما ذلك تم ذلك فى سياق مختلف باختلاف الظروف فى كل حالة.

 وهنا لابد وان نتوقف عند ثلاثة تجارب شاهدها القرنان "السابع و الثامن عشر" تم خلالها ، وبطرق متباينة ، تنفيذ تغيير الاوضاع السياسية بعد ان نضجت التحولات فى البنية الاجتماعية ، قامت فيها القوى الاجتماعية الصاعدة بتصفية هيمنة القوى القديمة :

التجربة الاولى عندما استطاعت البرجوازية الصاعدة فى انجلترا تصحيح الاوضاع لصالحها و اعادة صياغة علاقتها بالتاج البريطانى العتيد ، اولا بالتخلص منه ثم باستعادته مع تقليص سلطاته لصالح البرلمان المنتخب من الشعب.

التجربة الثانية: عندما استطاع الامريكيون بناء اول جمهورية  يجمعها دستور لا يضعه ملك ولكن يتفق عليه الناس ، من خلال ثورة دامية تحالفوا فيها مع الفرنسيين ضد التاج الذى يحكم بلادهم الاصلى الذى جاؤا منه وجيشه.

التجربة الثالثة: عندما ادى صلف الاسرة الحاكمة وحلفائها من رجال الدين والنبلاء فى فرنسا الى انفجار ثورة دموية ، ودخول البلاد فى تفاعلات عنيفة ادت بعد 75 عاما الى ظهور واحدة من اعظم الديموقراطيات فى التاريخ.

لاسباب متعددة جاءت المواجهة الاولى فى انجلترا..

فقد تسبب الوضع الاقتصادى الجديد المتمثل فى ازدهار التجارة "المركنتالية" فى ظهور طبقة "الوجهاء" من البرجوازية الجديدة والتى اصبحت قادرة على منافسة ارستقراطية "النبلاء" ماليا ، كما ازداد انتقال الناس من الريف الخاضع لهيمنة الأقطاع الذى لم يكن يامن الناس منهم على حياتهم و ارزاقهم ، الى المدن حيث الوظائف المدفوعة الاجر و القدر الاكبر من الضمانات والحرية والافكار الجديدة ، كما ساعدت موارد الكشوفات الجغرافية والمستعمرات على زيادة الثقل الاقتصادى للمدن المتحررة على الدواخل الرازخة تحت نفوذ الاقطاع.

 كما ادت حرب المائة عام الى ظهور الدولة الوطنية ذات السلطة المركزية ، فقد حلت الوطنية الانجليزية محل الهوية المسيحية ،الامر الذى ازكاه انتشار النشر باللغة الانجليزية بمساعدة اختراع الطباعة ، وصارت لندن عاصمة لهذه الدولة الوطنية.

كذلك انتشرت افكار الاصلاح الدينى "البروتستانتى" فى انجلترا مما حدا بكنيستها بالانفصال عن روما فى1529 ، وصارت تلك الافكار مع "اخلاق العمل الكلفنية" جزء هام من الهوية الانجليزية .

ومع تلك التحولات صارالجيش مؤسسة وطنية وليست اقطاعية ، فنتيجة لحرب المائة عام لم يعد الجيش مكونا من الفرسان و النبلاء حاملى الالقاب المدججين بالدروع الذين هزمتهم المشاة المسلحة بالاسلحة النارية ، بل صار مكون من هؤلاء المشاه وضباطهم الذين يتقاضون اجورا و الذين يحتاج تسليحهم الى الاموال ، لقد كان الجيش الانجليزى الذى اطلقوا عليه "الجيش النموذجى الحديث" اول جيش محترف يهمش اهمية "النبلاء" لحساب اداة وطنية قادرة على فرض النظام و الولاء طالما توفر لها التمويل.

 كان الملك "جون" قد اجبر وتحت الضغط من قبل "النبلاء" على توقيع وثيقة "الماجنا كارتا" عام 1215 واعطاء صلاحيات لمجلسهم ، و مع ظهور الفئة الاقتصادية الجديدة المتمثلة فى "الوجهاء" من التجار بدأ ادخال عضوين منهم عن كل مدينة فى البرلمان منذ عام 1295 ، وفى عام 1376 ونتيجة لحدوث مواجهة بين بعض الوجهاء و الملك حول زيادة الضرائب و ضرورة مراجعة مصروفات الملك انقسم المجلس الى مجلسين : "مجلس العموم " و قوامه من الوجهاء المختارون من الناس ، و"مجلس اللوردات" الذى يضم النبلاء و رجال الدين اللذين يختارهم الملك .

و لكون "الوجهاء" فى مجلس العموم اقرب الى الناس فقد كان الملك يعتمد عليهم ماليا ، مما جعل "مجلس العموم" الاداة الرئيسية لفرض الضرائب و جمعها، لقد اتاح لهم اللقاء المستمر و النقاش  صياغة العرائض و المطالبات وتقديمها للملك ،مع احتفاظهم بوسيلة ضغط وحيدة تمثلت فى امكانية تعطيل جمع الضرائب وبالتالى ادخال الملك فى صعوبات مالية .

ومع مرور ثلاثة قرون على "الماجنا كارتا " عاد البرلمان ليكون مجلسا استشاريا للملك يستدعيه عندما يريد فرض ضرائب جديدة ثم يقوم بحله ، الا ان بروز الروح "البروتستانتية" كاحدى مكونات الهوية الوطنية الانجليزية تسبب فى الصدام الاول بين "مجلس العموم" و الملك "تشارلز" الاول عندما كان ينوى الزواج من سيدة كاثوليكية مما اخاف البرلمان من ان ولى العهد الكاثوليكى سيخضع من جديد ومعه انجلترا للبابا فحاول المجلس ايقاف ذلك الزواج.

الا ان الملك حل البرلمان و كون برلمان جديد ، ومقابل قبول الاعضاء الجدد مساعدته فى جمع الضرائب قاموا بصياغة مطالب قدموها له فيما عرف "بلائحة الحقوق" , ولكنه وبعد الحصول على ما يريد منهم امتنع عن دعوتهم للانعقاد احد عشر عاما ، تفرد خلالها بالحكم و لجأ  فيها لوسائل اخرى لجمع المال متحالفا مع الكنيسة التى كانت تلاحق باحكامها اعدائه ، والتى بدأت هى الاخرى فى تغريم من لا يحضر قداس الاحد .

 حل "تشارلز" البرلمان عدة مرات و لكن البرلمان الجديد يكون دائما اكثر عداء له ، كما حاول غزو اسكوتلاندا بحثا عن موارد جديدة ، وعندما نجح برلمان 1640 فى سن قانون يسمح له بالانعقاد دون الحاجة لدعوة الملك  بل و يسلبه سلطه  حله ، توجه تشارلز فى 4000 من الجنود للقبض على خمسة من اعضائه ، ليفاجأ برئيس البرلمان يرفض تسليمه الاعضاء ويواجهه قائلا " انا خادم للبرلمان ولست خادما الملك".

بعد هذه الحادثة غادر"تشارلز" لندن خوفا على حياته.. و بدأ الطرفان ، الملك والكنيسة و النبلاء من جهة ، و وجهاء مجلس العموم من جهة اخرى فى الاستعداد للمواجهة .

 لقد دعمت الكنيسة الملك خوفا على نفوذها التقليدى ، و سلطتها التى كان ذلك النفوذ يحققه لها ، والثروة التى كانت تجمع نتيجة لذلك.

كما دعمه النبلاء من ايقاف صعود الفئات التجارية الجديدة التى سلبتهم احتكارهم للملكية و الثراء ،وحرضت "قنينهم" عليهم عندما فتحت لهم ابواب العمل والاجر الدائم فى المدن .

 كما انضم اليهم اهل الدواخل الخاضعين لنفوذ الكنيسة الدينى ونفوذ الاقطاعيين الاقتصادى و المطيعين للملك من اجل الحفاظ على الكنيسة والعرش و التقاليد .

 وعلى الجانب الاخر دعم الجيش و الاسطول مجلس العموم ، فهو مكون من جنود محترفين يتقاضون اجورهم من حصيلة ضرائب يجمعها لهم المجلس .

كما اعتبر سكان المدن  ان هذا الصراع هو من اجل اعادة توزيع السلطة بين القوى التقليدية الغابرة و القوى الجديدة الصاعدة لذا انحازوا للبرلمان .

 بدأت المعارك فعليا عام 1642 و لتستمر متقطعة لمدة سبع سنوات .

 نجح الجيش،الذى كان "اوليفر كرومويل" عضو مجلس العموم احد قادته، فى هزيمة الملك والقبض عليه وعقد جلسة للمجلس اجبر خلالها 75 من اعضاء البرلمان على تكوين "محكمة عليا" ، بعد منع 175 من الاعضاء المؤيدون للتفاوض مع الملك من الدخول الى المبنى ، فاصدرت المحكمة حكمها باعدام الملك بعد ان وجدته "مذنبا بالخيانة العظمى ،وطاغيا ، وعدوا للجماهير" و ليقطع رأسه فى "الوايت هول" يوم 30 يناير1649.

بدلا من ان ننتقل السلطة الى البرلمان ، برز دور "اوليفر كرومويل" الذى كان يتمتع بشعبية كبيرة فى الجيش نتيجة للأنتصارات التى حققها ، كدكتاتور عسكرى لانجلترا بعد ان لقب نفسه "بحامى انجلترا"التى اطلق عليها "محمية انجلترا" قائلا  "ان الله قد اختاره لانقاذ انجلترا، وانه ـ الله ـ ليس ضد الملك فقط و لكن ضد البرلمان ايضا ".

قسم "كرومويل" البلاد الى مقاطعات يشرف على كل منها جنرال يمثله شخصيا و يلقب "بالحاكم الربانى"، لم يكتفى بحل البرلمانبل وجه حديثه موبخا اعضاءه  قائلا " اذهبوا من هنا..باسم الله غادروا هذا المكان و دعونا ننتهى منكم.. فقد جلستم هنا طويلا.. " .

 جاء ببرلمان صاغ دستور جديد عينه فيه حاكما للبلاد طوال حياته و اعطاه صلاحيات مطلقة ، عرض عليه البرلمان الجديد "التاج" و لكنه رفضه مفضلا عليه المزيد من السلطات ، وهكذا بدلا من ان تؤدى الثورة على "تشارلز" الى تحقيق وثيقة المطالب ، نتجت عنها دكتاتورية فجة .

 الا ان القدر تدخل فمرض "اوليفر كرومويل" ومات فى 1658 ،ليتولى ابنه "ريتشارد كرومويل"بعده لمدة سبع شهور ازيح بعدها عن الحكم.

ذلك انه نتيجة لبداية ظهور الفوضى فى البلاد ، واحتمال انتشارالانشقاقات فى الجيش ، طلب الاخير من "تشارلز الثانى" الذى كان يعمل منذ فترة على استعادة عرش ابيه ان يعلن قبوله للتاج ، الامر الذى تم فى اعلان "بريدا" فى ابريل 1660 وليقابله البرلمان فى نفس الشهر باصدار قرار بتنصيبه ملكا على انجلترا، وليعود الى لندن فى مايو فيما سمى"بالاسترجاع الانجليزى"ولينصب فى حفل كبير.

 لقد وعت البرجوازية الانجلبزية ان استبدال طغيان الملك بدكتاتورية عسكرية حاولت تجريدها حتى من تلك المكتسبات التى كانت قد انتزعتها خلال اربعة قرون هو خطوة الى الوراء ، لذا فقد فضلت الوصول الى اتفاق مع الملك الجديد ادى الى اول ظهور"للملكية البرلمانية" فى التاريخ ، فقد استطاع البرلمان ان يضمن ولاء تشارلز "للماجنا كارتا" و"القانون العام " قبل تنصيبه ، ولم يعد بمقدور الملك حل البرلمان او منع انعقاده.

لقد انتقل الصراع منذ ذلك التاريخ الى داخل غرف البرلمان وتحولت المجموعات البرلمانية الى احزاب سياسية و اخذت الديمقراطية الانجليزية ثم البريطانية بعد ذلك فى النمو، بعد ان اصبح كل طرف حريص على الا يخرج الصراع خارج البرلمان مستعيدا ذكريات الحرب الاهلية الاليمة التى ذهب ضحيتها مئتى الف قتيل و جلبت الخراب واضاعت سنين طويلة فى القتال ، الامر الذى اعطى للقانون سيادته و للديمقراطية قيمتها.

 صار البرلمان الانجليزى منذ 1660 الحكومة التى تسير الحياة اليومية باستقلال عن الملك ، وفى عام 1679 تاكدت سيادة مجلس العموم باصدار قانون يقلص صلاحيات كل من الملك و مجلس اللوردات ، الامر الذى ظهر جليا عندما خلع مجلس العموم الملك "جيمس" و نصب ابنته مارى مكانه عام 1688 .

ومع الاستقرار ظهر"بنك انجلترا" لينظم النشاط الاقتصادى ، وبدأت "الراسمالية" فى الظهور من كنف"المركنتالية" بعد الغاء الاحتكارات و الرسوم التى كان يفرضها النبلاء الذين فقدوا الكثير من نفوذهم نتيجة للحرب الاهلية ، الامر الذى سمح بالتنافس تحت شعار " دعه يعمل دعه يمر" فى اسواق مفتوحة ، وبالتالى ازدهار العلوم التى صارت اداة التنافس الرئيسية ، وبدات المصانع الكبرى تظهر معلنة انطلاق "الثورة الصناعية" ، كما انطلقت مبادرات الافراد فى تاجيج حيوية المجتمع الانجليزى ثم البريطانى الذى استطاع من خلال هذه الرحلة بداية بناء "مجتمع القيمة الانتاجية المضافة " بعد ان تخلص من "صفرية" الركود والطغيان وهيمنة الكهنة .

و اخيرا .. اعتذر عن الاطالة.

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “من الصفرية الى الانتاج … او رحلة السبعمائة عام. 2/2”

  1. يسعدني زيارتكم مدونتي

    مدونة أبو عمر المصري - المخطوف من ايطاليا

    http://aboomarelmasri.maktoobblog.com

    مدونة سياسية حقوقية اعلامية - تهتم بالدفاع عن الإسلام والمسلمين المستضعفين في الأرض

  2. أستاذ محمد:

    نعم هذه العقلية بالتحليل والاستنتاج، تستحق المحاولة.

    وإن فشلت المحاولة، كان لك شرف المحاولة.

    شكراً لك.

  3. الستاذ محمد صالح بويصير

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    عندي سؤال ربما تأتي اجابته في ثنايا مقالاتك الآتية وربما لا ، ولهذا أسأله لكي أضمن الاجابة .

    أنت تعلم ياسيد بويصير المحترم أننا في زمن يصنع فيه الحدث ، والأحداث لاتحدث بطبيعتها وأصبحنا في زمن الشمولية السياسية والتي تهيمن على كل جوانب الحياة الأخرى .

    وأنت أعلم مني بنتائج الحرب العالمية الثانية والتي رسمت فيها الخريطة السياسية من قبل المنتصرون في هذه الحرب ( الحلفاء ) وبقيادة الولايات المتحدة ، والدكتاتوريات العربية ومنها القذافي هي نتيجة من نتائج هذه الحرب ، ومازال هؤلاء الطغاة يتمتعون بتغطية سياسية من سادتهم ولايحدث تغيير سياسي الا تحت اشرافهم .

    ومع هذا سلبية مجتمعانتا وشعوبنا أما هذه الهيمنة .

    فكيف نصنع الحدث التاريخي الذي يكون في صالح شعوبنا ونحن تحت هذه الهيمنة المطلقة و مع سلبيتنا تجاه أي حركة للتغيير ؟

    الغرب في الماضي وحتى الآن لم يبتلى بهذه الهيمنة التي ابتلينا بها ، وكانت الأحداث تأخذ سياقاتها الطبيعية .

    فهذا فارق مهم ويحتاج الى دراسة معمقة لوحده .

    أنا لاأنفي المؤامرة التي نتعرض لها ولكن لي منظور مغاير لها ، وهي أن المؤامرة موجودة وواضحة مثل الشمس في رابعة النهار في كبد السماء ، ولكن مشكلتنا في أمرين وهما :

    أولا : لانفهم المؤامرة فهما صحيحا .

    وثانيا : وبناء على السبب الأول لانتعاطى معها بشكل صحيح ونعلق على مشجبها سلبيتنا .

    وأنا مؤمن بقدرتنا على صناعة الحدث الذي يصب في صالجنا .

    وأخيرا وليس آخرا أرجو أن أكون وفقت في ايصال فكرة السؤال وأرجو أن أجد الاجابة الشافية .

    مواطن ليبي بسيط جدا من داخل الوطن .

    ولك كل احترامي وتقديري أيها المميز الذي يحمل هم الوطن والانسان على كاهله مثل والدك المرحوم الشهيد ان شاء الله ( صالح بويصير ) رحمه الله رحمة واسعة .

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر