(5) من الصفرية الى الانتاج … او رحلة السبعمائة عام . 1/2

كتبهامحمد صالح بويصير ، في 14 يوليو 2007 الساعة: 23:49 م

لابد ان تتبع خطا الانسان فى رحلته نحو الحداثة هوعمل صعب.

الاانه لا يقارن بتلك المشقة التى عاناها ـ هو ـ كى يتحرر من العبودية فى "المجتمع الصفرى"، او وهو يشق طريقه نحو "المجتمع الانتاجى" الذى يستطيع ان يحقق فيه "التكيف" بالسيطرة على مدخلات حياته و رسم ملامح مستقبله ، وذلك من خلال زيادة موارده المادية ، وتطوير درايته المعرفية، وايضا اطلاق "مبادرته الحرة" كى يصير بناء"الحياة الكريمة " ممكنا .

واذا كان الانسان قد بدأ الرحلة مدفوعا برغبته فى التحرر من مخاوفه الثلاث : طغيان الطبيعة ، الوهن الذاتى ، والصراع مع الأخر ، و متسلحا بقدراته التى منحها له الخالق ، الا انه لم يكن يملك خارطة للطريق ، و لا يعرف عن مستقبله الشىء الكثير ، لذا فقد كانت اتجاهاته خلال الرحلة تتحدد من خلال تفاعل ارادته مع المحيط ، ومع ذاته ايضا ، ثم من خلال النقلة التى تطرأ نتيجة لهذا التفاعل ، وليتكرر ذلك كل ساعة و كل يوم ، فعل ثم نقلة و موضع جديد ثم فعل و نقلة و موضع ثالث، كل ذلك فى اطار حراك جماعى ينطوى على كل انواع العلاقات البشرية من التحالف الى الاقتتال ، وثقافة يتم انتاجها من خلال هذا الحراك لتعود فتؤثر بدورها فيه و ليعيد انتاجها من جديد .

 الا ان هذا "المخلوق الرائع"  اصبح من خلال عزمه و ذكائه و تراكم انتصاراته الصغيرة قوة جارفة تتدفق نحو التقدم لا سبيل لمقاومتها.

لذا ، و ان اضطررت ان اتتبع هذه الرحلة من خلال احداث التاريخ  ، فليس المقصود هنا السرد ، ولا تزكية طرف على اخر، ولا محاولة اسقاط التاريخ على الواقع " فالتاريخ لا يعيد نفسه "، المقصود فقط هو فهم العلاقات بين المؤثرات و المتغيرات التى صنعت الاحداث ، و بالتالى استخلاص القوانين التى حكمت هذه الحركة لكى نحاول بعد ذلك ان نستنبط منها رؤيتنا التى يمكن ان نستفيد منها عندما ندشن نحن ايضا رحلتنا نحو "الحياة الكريمة".

كما اننى لا اريد ان يعتمد احد على هذا التلخيص الذى لابد انه يخل بالاحداث ، بل اهدف الى طرح تساؤلات تدفع القارئ الى المزيد من القراءة المستقلة .

ولاننى ساتتبع مسارا تاريخيا، فلابد ان احدد المكان، فالرحلة لم تشمل العالم كله، وعلى الرغم من اننا"العرب والمسلمين" ساهمنا بقدر مهم فى تدشين رحلة الاخرين، و ذلك بالمجهود العلمى و العقلى لعلمائنا الذين نقلوا الى العالم العلم الاغريقى و الورق الصينى و الحكمة الفارسية ممزوجة  بابداعاتهم ، ليستند اليها الاوروبيون فى البداية  الا اننا ، ولاسباب قد اعود لها لاحقا، قد تخلفنا عنها .

فى وجهة نظرى..ان القرن العشرين هو العلامة الزمنية التى يمكن ان نحدد عندها تسيد"مجتمع القيمةالانتاجية المضافة"، حيث حقق الانسان امورا لم يكن يتصورها ، فهو ينتقل طائرا ، يهبط على القمر ، يغوص فى المحيطات لاشهر ، لديه مشافى لعلاجه من المرض تعمل بفعالية حول الساعة ، يتواصل لحظيا عبر القارات ، يجلس فى "كيب تاون" لكى يشاهد حدثا فى اليابان عن طريق محطة تبث من بريطانيا تستضيف معلقين احدهما من كاليفورنيا و الاخر من موسكو و تتلقى تعليقات مشاهديها من كل قارات العالم ، الحريات تمنحه مساحات واسعة للآبداع ، الديمقراطية تكسب كل يوم موقعا جديدا و النظم الاستبدادية على طريق الانقراض، والسوق فيه من المنتجات و الافكار اكثر مما يستطيع الانسان ان يعرف.

لقد مثلت "الثورة الصناعية " والتى حل فيها الانتاج الآلى محل اليدوى التى شهدتها القرون "الثامن والتاسع عشر و العشرون" بداية هذه المرحلة من تاريخ الانسان التى يعيشها معظم العالم الان و يتخلف عنها البعض ،بعد ان صار قادرا ان يضيف بفعله قيمة ملحوظة على موارده ، ففى حين حقق العالم زيادة فى موارده بين بداية القرن "السادس عشر" حتى نهاية القرن "السابع عشر" لا تزيد على خمسين فى المائة من 250 مليار دولار الى 372 مليارا ، فانه قد حقق فى الثلاث قرون التالية، من بداية القرن الثامن عشر و حتى نهاية القرن العشرين  زيادة من 372 مليارا الى 40 ترليون دولار اى اكثر من مائة ضعف1 ، والدولار هنا تقديرى ومثبت القيمه الشرائية .

فاذا كانت الاصول لا تزيد بل تستهلك فان هذه الزيادة هى بالتاكيد نتاج للقيمة التى اضافها الفعل الانسانى ، والتى و ان قفزت فى القرون الثلاثة الاخيرة ، لا يمكن الا ان تكون مرتبطة بالحراك الذى بدأ قبل ذلك .

لقد انتهى القرن "الثالث عشر" و الاقطاع المتحالف مع السلطة الدينية يسيطر على الناس فى كل انحاء العالم ، بينما تتصارع الفئات الحاكمة حول المزيد من السيطرة بينما الانسان يعانى التهميش و البطش ،الا ان حدثا شهدته مملكة انجلترا فى الشمال الغربى من قارة اوربا بدا و كانه خارج السياق الراكد ، فقد تسببت سياسات الملك جون "شقيق ريتشارد" الذى ورث عنه العرش و التى ادت الى فقدان الاراضى الفرنسية التى كان يسيطر عليها ، و طاعته التامة للبابا فى روما ، و زيادته للضرائب احدى عشرة مرة  خلال سبعة عشر عاما تعويضا للموارد الفرنسية ، تسببت فى ثورة البارونات و احتلالهم "لندن" و اجباره على توقيع و ثيقة تسمح لمجلس من البارونات بالاجتماع دوريا و مراجعة كل اوامر الملك  مع صلاحية الغائها ، والزام الملك بطاعة هذا المجلس ، وتحت الضغط وقع الملك وثيقة "الماجنا كارتا" عام 1215 لتكون اول سابقة لتحديد سلطات حاكم مطلق مع بقائه فى السلطة ، وعلى الرغم من فتوى البابا بتخليص الملك "جون" من التزامه ، الا ان هذه الوثيقة كانت السهم الاول الذى اطلق على البنية الاقطاعية و حليفتها السلطة الدينية كما سنرى فيما بعد.

مع دخول العالم القرن "الرابع عشر"كان النظام الاقطاعى/الكنسى فى اوروبا يتلقى تهديدات جديدة . فقد ازكت حرب المائة عام التى نشبت بين فرنسا وانجلترا عام1337  الروح الوطنية لدى كل من الطرفين على حساب الانتماء الدينى، كما ادت الى تثوير المعنى الاجتماعى للحرب ، فبعد ان كانت الحرب تقوم بين جيوش اقطاعية يجمعها النبلاء لحساب الملك ادى استعمال الاسلحة النارية و تفوقها على دروع "فرسان النبلاء" الى بداية غروب دورهم لحساب مشاة يتلقون مرتبات و يحملون اسلحة نارية  وبالتالى ظهور المؤسسة العسكرية الوطنية ، كمقدمة لظهور الدولة الوطنية ، كما ادت الى تكوين "مجلس للعموم" فى انجلترا الى جانب "مجلس اللوردات" و قصر الحق فى فرض الضرائب على هذا المجلس فى خطوة اضافية لتجريد الحاكم المطلق من سلطاته .

كما بدأت جيوش العثمانيين اجتياح اوروبا من الشرق عام1350  ، لتخلق ازمة حقيقية لهذا النظام ، ، فقد فتحت الباب للتشكك فى القدرات الخارقة للسلطة الدينية وتراجع ادوارالملائكة و القديسين الذين سيحققون النصر على "المسلمين" لصالح تضحيات العامة والقادة المحليين و استبسالهم فى الدفاع عن مدنهم . ولتعطى للحكام المحليين ادوار اكبر على حساب دور الكنيسة . و لتتسبب خلال اربعة قرون تالية فى تراجع الهوية المسيحية الاوروبية لصالح القوميات التى حددتها عوامل الثقافة و الجغرافيا .

اما القرن "الخامس عشر" والذى بدأ بانتشار الطاعون مما ادى الى هجرة الناس الى المدن التى مثلت دائما بيئة اقل تعسفا من الريف الذى يسيطر عليه الاقطاع .، الامرالذى تسبب فى بداية تغيير التكوين الاجتماعى حيث بدأت المدن تحبوا نحو اكتساب اهميتها من خلال تراكم رأس المال والتجارة والصناعات التى بدأت تظهر فيها لدعم المجهود الحربى و توفير احتياجات القادمين من الريف .

 كما حمل هذا القرن معه حدث لا يقل اهمية فى مسيرة الانسان عن اختراعه للكتابة ، فقد صنع صائغ المانى يدعى "جوتنبرج" اول مطبعة عام 1450 لتكون" المحرك الاهم وراء التغير الاقتصادى و الاجتماعى و السياسى الذى شهده العالم بعد اختراعها " فهى قد احدثت القفزة من النقل الشفوى للموروث الى الثقافة المكتوبة و ما تتيحه من تراكم فى المعرفة والابداع ، كما غيرت فى عادات القراءة من الاستماع الجماعى لقارئ فرد يحتكر المعرفة و يوجهها كما يشاء الى القراءة الفردية التى اتاحت للناس الاختيار و دفعتهم الى التعليم ، وصار الكتاب المطبوع على الورق  ، فى متناول اعداد اكبر من الناس ، كما اصبح للتأليف معنى مختلف فلم يعد لحساب اهل السلطة القادرين على سداد تكلفة نسخ الكتاب بل للناس الذين صاروا قادرين على اقتناء الكتاب المطبوع الاقل كلفة ، وصار بمقدور العلماء التواصل عن طريق "النشرات العلمية" كما امكنهم مراكمة جهودهم رغم البعد الجغرافى ، واصبح بامكان الناس التعرف على العلم  ومناقشة قضاياه  والتفاعل معه ، كما اكتسب المؤلفون شهرة عند الناس و استطاعوا نشر افكارهم ، كما انتهى الى حد كبير احتكار المعرفة بتنوع مصادرها .

اما على مستوى النظام الاقطاعى / الكنسى فقد تسبب تقويض احتكار المعرفة فى المزيد من زعزعة سيطرته ، الامرالذى تمثل بوضوح بانتشار التأليف باللغات المحلية بدلا من اللأتينية لغة البلاط و الكنيسة وما تبعه من ترجمة الانجيل الى تلك اللغات و طباعته ، الامر الذى جردهم من ميزة زمان كانوا يجبرون فيه الناس على حفظ و ترديد و تقديس وطاعة آيات و مقاطع لا يعرفون معناها ،كما اضاف انتشار المعرفة المزيد من الثقة بالنفس لدى الناس وبالتالى رفض الاستعباد و التهميش ، و اخيرا ادت الطباعة باللغات المحلية الى المزيد من الالتفاف حول الفكرة القومية على حساب الهوية المسيحية الاوروبية .

ولم يمض زمن طويل حتى بدأت اثار انتشار المعرفة فى تشكيل حقائق جديدة على الارض ، فقد شهد القرن السادس عشر ظهور حركة التنوير الدينى كما شهد ايضا بداية الثورة العلمية الذان ترافقا مع  ازدهار النشاط الاقتصادى"المركنتالى" على حساب النشاطات المرتبطة بالاقطاع و الارض ، موازيا لتصاعد الضغط العثمانى على النظام الاقطاعى بمحاصرة جيوش السلطان سليمان القانونى لفينا فى1530 .

عندما نشر"مارتن لوثر"عام 1517 مقالاته عن ضرورة الاصلاح الدينى فى جامعة "ويتينبرج"، فى ما يعرف الان بالمانيا، كان فى الواقع يدشن حركة فكرية سيمتد اثرها خارج نطاق اوروبا، بل و ابعد من حدود المسيحية نفسها و تؤسس لمرحلة جديدة من تاريخ البشر.

فعلى الرغم من ان الكسب المادى كان دائما رغبة و ضرورة انسانية قديمة ، الا ان المفاهيم المسيحية التى طرحها التحالف الاقطاعى/ الكنسى  فى المجتمع الصفرى تقوم على ان البشر نوعان امام الله ، من يرضى عنهم ومن يغضب عليهم ، وهو يوزع الثروة من خلال هذا التقسيم ، وان الرضى يتحقق من خلال طاعة هذه القوى المسيطرة وخدمتها والتضحية من اجل ما تنقله للناس من رغبات منسوبة لله ، لذا فقد كان الثراء والبذخ لدى الفئات الثرية الحاكمة نوع من البركة الناتجة عن رضى الله ، كما تصبح القناعة لدى الفقراء ضرب من القبول بالاحكام الالاهية ، وان كان هناك ضرورة للعمل فليكن لتحقيق الكفاف و الا اصبح من المشاق التى يبلى بها الله المغضوب عليهم من عباده .

لذا قامت افكار الاصلاح الدينى لدى "لوثر" ثم  اخلاق العمل عند"كالفن" على امكانية انتقال الانسان من صف المغضوب عليهم الى فئة المرضى عليهم  عن طريق جهده فى اثراء الحياة ، باعتبار ان الله هو من خلق هذه الحياة و هو يحب من عباده من يعمل لاثرائها و تحسينها، الامر الذى اعطى للعمل الدنيوى، حسب هذه الافكار ، موقع مركزى فى الحياة ، فلم يعد مشقة للملعونين ، بل صار خلاص الانسان و رضى الله عنه يقاس بمدى نجاحه فى عمله ، فقد قال "كالفين" ان الانسان مطالب من الله ان يتقن مهنة دنيوية ، و المال الذى سيجمعه منها هو بركة من الله ، وان من لا يعمل لا يعبد الله ، وان احباب الله ليسوا فقط الرهبان و القساوسة ولكن من يتقن صنعته.

لقد اكسبت افكار "لوثر" و "كالفن" السعى الواعى للنجاح الاقتصادى من خلال العمل قيمة اخلاقية تساوت عندها كافة المهن ، ليس على مستوى الافراد فقط و لكن على مستوى الوعى الجماعى ايضا .

ادى الاصلاح الدينى الى بداية الانهيار النهائى للسلطة الاقطاعية/الكنسية ، فهى لم تعد الراعى للدين ، كما فقدت دورها كوسيط بين الارض و السماء ، ومن خلال الطاقة التى خلقها هذا الفهم الجديد للدين ، الذى جعله اكثر انسانية ،اندفعت الجموع تتلقى العلم من اصحاب المعارف الدنيوية و ليس فقط الدينية ، والسعى من خلال العمل للكسب المادى ، كما ادى تحريم  القيم الدينية الجديدة للبذخ و مظاهر الفخامة الى انتشار الادخار الذى وفر و لاول مرة فى تاريخ البشر "راس المال " اللازم لصناعة الماكينات التى ستملآالعالم بعد ذلك.

كما انحاز بعض الحكام المحليين الذين وجدوا مصالحهم ترتبط بالروح القومية الصاعدة الى المتغيرات الجديدة، مثل "فردريك" الحكيم  فى سكسونيا الذى حمى "لوثر" و منع البابا من الفتك به و تبنى حركة الاصلاح الدينى معتبرا اياها ارادة الله .

ومع اتساع المساحات امام العلوم الدنيوية شهد القرن بداية" الثورة العلمية " فا زدهرت الجامعات ، وساعدت الطباعة على توفير الموارد للعلماء و انتشار ابحاثهم ، وتوفرت حرية البحث ، واعيد قراءة اعمال علماء المسلمين التى استندت على العقلانية الاغريقية ، وبدأت الممنوعات تسقط امام حقائق العلم ، فالارض تدور حول الشمس و ليس العكس ، كما ان العالم مكون من عناصر غاية فى التنوع والتعقيد وليس فقط تراب و ماء و هواء و نار ، و ان الاجسام كلها تخضع لنفس القوانين ، وانتفى اسلوب التفسير بالنتائج كالقول :ان النبات ينموا ليأكله الناس ، او ان المطر ينزل لكى يروى الارض الى التفسير بالاسباب لينطلق البحث فى علوم الطبيعة و الكيمياء و الميكانيكا والرياضيات ، كما طرحت تساؤلات تزيد مع كل اكتشاف جديد ، واكتسب العقل مجال للتفكير و النقاش كما صارت القناعات تتكون من خلال القواعد العلمية و المنطقية ، وصار الانسان اقدر على قبول الافكار و رفضها بناء على المعرفة و المنطق وليس بتأثير الحاجة او باوامر السلطة او ارهاب الكاهن .

مع هجرة الناس من الدواخل حيث النفوذ الاقطاعى يتحكم فى حياتهم و يهددها الى المدن التى استطاعت ان تحقق قدر من الاستقلالية تضمن الى حد كبير تحصينهم ضد الحكم المطلق ، بدأت هذه المدن التى زاد عدد سكانها بقدر مثير مثل لندن التى ارتفع تعدادها من 25 الفا فى القرن الرابع عشر الى 300 الفا مع نهاية القرن السادس عشر ، والتى تراكم فيها قدر كبير من الثروة ان تصبح مراكز لدول الوطنية التى قيد التكوين ، مما ادى الى قيام منظومة جديدة من الانشطة الاقتصادية تقوم على التجارة تحت سيطرة الدولة التى تحمى اقتصادها عن طريق فرض الرسوم على الاخرين و اقامة الاحتكارات بهدف تحقيق فائض يمكن تحويله الى سبائك الذهب و الفضة ، لقد تسبب هذا النظام الذى اطلق عليه فيما بعد "المركنتالى" فى انطلاق حركة الاستعمار الحديث كما تسبب فى الحروب الاقتصادية بين دول اوروبا الا انه كان الشرنقة التى خرجت منها "الرأسمالية " بعد ذلك ، كما انه ساعد على دعم استقلال طبقة جديدة من سكان المدن سميت "بالبرجوازية" عن طريق توفير التمويل لقيام الصناعات و توسيع السوق واتاحة الوظائف المدفوعة الاجر وبداية تقسيم العمل على اساس الاختصاص ، كما تسببت فى تحرير الفلاحين من جور الاقطاع .

لقد ادى اثر الطباعة و الاصلاح الدينى و الثورة العلمية والاقتصاد "المركنتالي" الى بناء "وعى اجتماعى"جديد يقوم على التنوع ويتبنى التقريبية و النسبية بدلا من الاطلاق ، ويميز ما هو دينى عما هو دنيوى ، فالبحث عن دواء لمرض عضال صار يحتاج الى دراسة الطب والصيدلة و ليس اللاهوت ، وكذلك مجالات الحياة الاخرى كالطبيعة و الميكانيكا و الاقتصاد و التاريخ و الاداب و السياسة ، مما ساهم فى تآكل نفوذ السلطة الاقطاعية/الكنسية .

هكذا دخلت اوروبا القرن "السابع عشر" و قد قطعت بالدم و العرق مرحلة مهمة من الرحلة نحو " مجتمع القيمة الانتاجبة المضافة" ، فالتمرد على الحكم المطلق قد بدا بالفعل فى انجلترا ، و العثمانيون يواصلون الضغط على التحالف الاقطاعى/ الكنسى ، والمطبعة اعطت للمعرفة دورا جديدا ، والاصلاح الدينى ربط الايمان بالعمل و الغى هيمنة الكنيسة ، والثورة العلمية تعيد تشكيل وعى الانسان ، والاقتصاد يتخلص تدريجيا من سيطرة الاقطاع ، واخذت مجتمعاتها تكتسب بذلك المزيد من "الحيوية".

 و حتى لا اطيل اكثر ، ساترك تناول المواجهة بين القوى الجديدة الصاعدة و بين حراس "المجتمع الصفرى" و التى شهدها القرنان "السابع و الثامن عشر" و نتائج تلك المواجهة ،الى المقالة القادمة باذن الله .

ملاحظات:

1ـ فى نهاية هذا الفصل ساضع قائمة بقراءات اضافية تتضمن مصادر معلوماتى فى هذه المقالات لمن اراد المزيد من المعرفة.

ـ الاخوة الذين يطالبون بالحديث عن ليبيا ، اقول لهم ان هذا كله عن ليبيا ، فهى ليست معزولة عن العالم و ما جرى فيه .

ـ ساجيب عن الاسئلة من خلال المقالات ، واشكر اصحابها فهى مهمة .

ـ من جديد اعتذر عن اى قصور مخل ، كما ارجوا ان اتلقى التصحيحات اللازمة .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “(5) من الصفرية الى الانتاج … او رحلة السبعمائة عام . 1/2”

  1. كالعادة طرح منهجي رائع وتسلسل سلس عن كيفية تطور المجتمعات البشرية.

    ما طرحته حول الدور الإيجابي للدين في تطور الحياة أمر مهم جداً. خصوصا في مجتمعاتنا التي تعتقد أن التدين يعني الزهد والفقر والعازه. الخلط بين التدين والتصوف والعزوف عن الدينا وبناء الحياة كان ولا يزال من اكبر مشاكلنا.

    وما اشرت إليه من ربط كالفن وماتن لوثر بين العمل والتدين والنجاح والبناء امر مهم في محاربة التدين السلبي أو التدين الاخراوي المستقيل من الحياة.

  2. الاستاذ الكريم محمد صالح بويصير

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أرجو الاجابة على الأسئلة الملحة التالية ( من وجهة نظري)

    هل سنحتاج الى كل هذه المراحل حتى نصل الى مجتمع القيمة المضافة؟!!!

    أم نبدأ من حيث انتهت هذه المجتمعات ؟

    أنا مؤمن بالتغيير ولكن كيف نوصل الصوت المطالب بالتغيير في المجتمع الليبي في ظل التعتيم الاعلامي الدولي للرأي للرأي المخالف لنظام القذافي ؟ وهل هذه النظرة التآمرية ( التعتيم الدولي للرأي المخالف لنظام القذافي)صحيحة؟

    وكيف يمكن تجاوز جدار اللافعل واللاوعي للحقوق في المجتمع الليبي ؟

    وأيضا كيف يمكن تجاوز جدار النظام الدكتاتوري المصمت الذي يحكم قبضته على الشعب الليبي ؟

    وأكتفي بهذه الأسئلة وسأمطرك بوابل من أسئلة أخرى تبحث عن اجابة لمعرفة الطريق الى الحرية التي نستحقها .

    وشكرا لك جزيلا الاستاذ بويصير ؟

    شاب ليبي بسيط جدا من داخل الوطن .

    الاسم : م

  3. السلام عليكم

    تحية طيبة وبعد

    أستاذي محمد لك الشكر على هذا المجهود

    أسأل نفسي أحيانا ، أيهما أكثر فائدة لقراء الشأن الليبي

    أن نتحدث بصورة و بشكل ثقافي يمتع العقل ، أم نتكلم عن واقع يعيشه المواطن و واقع يحيط به القطط السمان و المافيا ؟

    لماذا نذهب بعيدا باحيثين عن حلول لمشاكل المواطن الليبي ، و من مدة أشهر معدودة فقط فهمنا و علمنا بوجود القطط السمان و المافيا ؟

    مع فائق إحترامي لك و للقراء الكرام ، هل لديك ما تضيفه من أفكار عملية تطبيقية تقلل من حدة هذه ألأزمة ؟

  4. الأستاذ محمد..

    أجدني ميالاً إلى ضم صوتي لكل أولئك الذين طالبوك بأن تنزل حديثك من سماوات الفكر والقراءة النقدية لمسيرة الإنسان عبر التاريخ نحو مجتمع الرفاهية والحرية والحياة الكريمة، إلى واقع الإنسان والمجتمع الليبي..إن ما نحتاج إليه نحن الليبيين هو تبادل الرأي حول المناهج الكفيلة بإخراجنا من عنق الزجاجة الذي انتهت بنا إليه سياسات الحكم الشمولي الاستبدادي الفردي، والسبل المتاحة أمامنا كليبيين، بمختلف تصنيفاتنا الفكرية، وانتماءاتنا السياسية، لكي نضع أيدينا على ملامح الحل، ولكي نتفق على رؤية وطنية حول متطلبات خروجنا من المأزق، ومتطلبات المرحلة الانتقالية التي نحتاجها للسير نحو إعادة الأمور إلى نصابها، تمهيداً لإبداء رأينا حول النظام السياسي الذي نختاره، ومن ثم لاتخاذ قرارنا بشأنه من خلال الاقتراع العام الذي تكفل له شروط الشفافية والنزاهة.

    أنا من أولئك الذين توقعوا منك أنت بالذات أن تخصص ما لديك من إمكانات فكرية وحركية ممتازة للعمل على ترسيخ الفكرة التي عبرت عنها علنا عبر وسائل الإعلام والمتصلة بقناعتك بأن الحل الأمثل لأزمة الحكم في ليبيا هو بحسب المعطيات الراهنة بيد العقيد القذافي الذي ينبغي عليه أن يعترف بأنه قد آن الأوان للتسليم بانتهاء مشروعه السياسي، حسب تطبيقاته التي تمت على ليبيا وشعبها، إلى طريق مسدود، وأنه لم يعد مفر من الخلوص إلى أن نتيجة لازمة لذلك، وهي إعادة حق القرار إلى الشعب الليبي ليختار نظام الحكم الذي يريده. وقناعتك المتصلة بهذه النقطة بأن العقيد القذافي هو الوحيد الذي يملك أن يفعل ذلك، بحكم أنه المتحكم حتى الآن على الأقل في مقاليد الحكم والسلطة..

    لقد كانت مقالتك بعنوان (هل في العالم ليبيون غيرنا) رائعة، وأتمنى أن تواصل مخاطبة العقيد القذافي على هذا النحو..لعله ينظر إلى الليبيين بعين العطف والحكمة التي نظر بها إلى إخوانهم التشاديين، فيقترح عليهم حل مشاكلهم بالأسلوب نفسه، أي أسلوب الحوار والاختلاف السياسي السلمي.

    وفقك الله، ، ونرجو أن تصل في مقالاتك مرحلة الحديث عن الواقع الليبي، وتعطينا رؤيتك للحلول المناسبة لما يعاني منه من مشكلات وأزمات.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر