المضامين التاريخية لمفهوم الحياة الكريمة.

كتبهامحمد صالح بويصير ، في 25 يونيو 2007 الساعة: 06:40 ص

 ليست "الحياة الكريمة" .. شعارا ايديولوجيا . 

كما انها ليست فكرة خرافية  ولا تصورا رومانسيا ، و لكنها مفهوم اصيل اكتسب مضامينه من خلال تراكم جهود و خبرات الانسان، هذا المخلوق الرائع ، عبر الاف السنين .

 ففى حين نستطيع من جهة ان نقرأ التاريخ البشرى كسجل لصراعات و عذابات البشر و آلامهم ، فانه يمكننا ايضا ان نجد فيه ديوانا لمسيرة طويلة ومضنية لجهد الانسان من اجل تحسين  مركزه فى هذا الكون ، والسيطرة على قوى الطبيعة، و تحقيق تفوقه .

 وعبر الزمن ، ازدادت قدرة البشر على تحقيق "الحياة الكريمة" بالتوازى مع ازدياد سيطرتهم على المؤثرات التى تصيغ تلك الحياة ، الامر الذى حدث خلال رحلة طويلة وشاقة  خاضتها اعداد لا تحصى من الشهداء و الثوار و المفكرون و العلماء الذين فتحوا الطريق بواسطة جهدهم المتواصل ، و المستمر  حتى الان ، لتحقيق هذا الهدف .

 وجد الانسان بعد ان خرج من المرحلة الحيوانية البدائية ان مركزه ضعيف جدا تجاه الطبيعة ، فهو لا يفهم مايدور حوله و عاجز بقواه العضلية فى التصدى للمخاطر والدفاع عن وجوده ، وعندما سعى لتكوين الجماعات البشرية فقد كان ذلك لمحاولة  تحسين ذلك المركز .

وفى اطار تلك الجماعات البشرية الاولى وعى الانسان ثلاثة انواع من الضغوط التى تهدد وجوده :

فهو اولا ، تحت ضغط متواصل من قوى الطبيعة ، فياضانات و زلازل وعواصف و حرائق ، برد قارص من جهة و شمس محرقة و جفاف من جهة اخرى  تهدد وجوده ، وهو لا يفهم لها سببا او تبريرا ، ولا يملك منها ملجأ او ملاذ امن .

وهو ثانيا ، تحت ضغط متواصل من مظاهر ضعف ذاتى ، فناء و موت و مرض و هزال و آلام و عجز وشيخوخة  تهدد بدورها وجوده وهو  لا يفهم اسبابها و لا يملك  منها علاجا او وقاية .

و هو ثالثا و اخيرا ، تحت ضغط متواصل من صراع مميت مع الاخر ، قمع واضطهاد ، سبى و عبودية واسترقاق ، قتل وتعذيب وتنكيل  ليست لها قواعد ولا حدود او قوانين ، تهدد وجوده ووجود جماعته وهو لايملك طريقة لحلها سلميا او تلافيها .

ومنذ ذلك الوقت اخذ الانسان ، وهو فى ذلك المركز الضعيف ، يناضل، مستعملا عقله، من اجل فهم قوى الطبيعة ، و من اجل استكشاف نفسه ، و ابضا من اجل تنظيم الجماعة ثم المجتمع البشرى ، الاتجاهات الثلاث التى مثلت المحاور التى صعدت عليها تطلعات الانسان لتحقيق"الحياة الكريمة" .

وجاءت الارهاصات الاولى فى العهد الاغريقى ، خاصة فيما يتعلق بعلاقة الانسان بالطبيعة ، وهنا ليس المهم البحث عن النتائج و لكن رصد بدايات رسم طريق جديد للفكر الانسانى ، ليصبح اكثر واقعية ، فيبدأ ازاحة الغموض عن ظواهر الطبيعة ، لتفتح اقوال مثل " الانسان هو مقياس كل الامور على الارض" ، و "ان الانسان مخلوق منطقى و اجتماعى" الطريق امام ظهور العلوم و المعارف البشرية او "اللوجوس" كما سماها الاغريق ، وليبدأ البشر فى اكتشاف العلاقات و القوانين فيما يدور حولهم ، وليفتح جهد البشر فى العهد الاغريقى الطريق امام المزيد من دور العقل البشرى .

ومع تعرف البشر على الرسالات السماوية الرئيسية : اولا، فى التوراة "كتاب التعليم بالعبرية"1000 عام قبل الميلاد، ثم المسيحية بعد ذلك ، وختاما "القران الكريم" عام 670 للميلاد ، ومن خلال قوة تأثير هذه الرسالات تحولت الافكار الخيرة المتعلقة بالعدل و الخير و الاخاء الى صياغات دينية متكاملة ، كما حفزت فى مراحلها الاولى على المزيد من تسييد العقل البشرى و احترام الانسان، الا ان تحولها الى دول و سلطات ادى فى معظم الاحوال الى العكس فيما بعد .

 حيث صارت هناك مراكز للسلطة والثروة تلتف حولها قوىاجتماعية حاكمة ، توظف الدين لترسيخ سلطتها السياسية و الاقتصادية ، فصار الانسان فى القرون الوسطى  يولد مذنبا ، عليه ان" يكفر عن ذنوبه" بتقديم النضحيات بالموت احيانا والضرائب والتكليفات الباهظة احيانا اخرى لتلك القوى الحاكمة فى المركز ، و التى ازدهرت كلما ازدادت معاناته .

كما اخبر بان حياته لا قيمة لها بل ان المهم هو مصيره بعد الموت والذى تحدده تفسيرات تلك القوى الاجتماعية حسب مطامعها ،  ولترسيخ ذلك حورت العقائد الدينية، التى جاءت اولا من اجل تسيد الانسان و ضد العبودية لتختصر فى كهنة و آلهة مستبدون.

 ويصيرالانسان، حسب هذه التفسيرات، خروف ضعيف تحت رحمة اله قاهر  يتحكم بقدرية مطلقة فى حياته من المهد الى اللحد ، وصار هناك  " بشر مختارون"سيكرمهم الاله و اخرون "عاقون" سينالون ابشع انواع العذاب و ذلك دائما حسب تفسير تلك القوى الثيوقراطية الحاكمة، ليتوارى فى هذه المرحلة نضال الانسان من اجل ترسيخ دور العقل خلف المظالم و الخرافات.

وفى روما و باريس شهدت العصور الوسطى اراقة الدماء و احراق الكتب والمفكرين وكذلك فى  بغداد والقاهرة و دمشق وقرطبة وصار الانسان يواجه الرعب من اتجاهين : طبيعة طاغية لا يفهم قوانينها ، وقوى اجتماعية متسلطة تتسلح بتفسيرات ظلامية تزيد من شعوره بالضعف وكأنه جاء لهذه الدنيا ليكون لعبة فى يد اقدار لا يفهم سبب قسوتها عليه.

 الا ان جهود العلماء المسلمين فى فترات الانفراج فى بغداد والاندلس ، الذين قاموا بنقل و استيعاب الفكر العقلانى الاغريقى و تطوير علومهم ،التى انتقلت الى اوروبا استطاعت ، مع عوامل اخرى، ان تمهد لمرحلة جديدة على طريق البشر نحو تحقيق "الحياة الكريمة".

لقد جاءت النقلة الاكبر فى هذه المسيرة مع نهاية عصر النهضة فى اوروبا ، ساتناول هذه النقلة فى مقال قادم ، الا ان كثيرا من العوامل تسببت فى ظهور نمط اقتصادى جديد "الراسمالية" محل "الاقطاع" ، و ليبدأ الانسان ببطء و لكن باستمرار فى استعادة الثقة فى قواه الخاصة القادرة على فهم قوى الطبيعة ثم تسخيرها للتخلص من الضغوط التى تهدده ، واكثر من ذلك اعادة صياغة العلاقات داخل الجماعة البشرية على اسس عملية وليس فقط اتباعا لافكار تعميمية او جامده .

لقد نتج عن ذلك تحول دور المسيحية من جديد فى معظم اوروبا من سلطة ثيوقراطية الى دين يحقق ، حسب رؤاها، اتصال الانسان بالله ، دون المرور عبر اروقة السلطة او جلباب الكاهن ، و خرجت الاصوات تقول "انا انسان ، وانا ابحث عن سعادتى فى هذه الحياة" ،"لماذا يجب ان انتظر لبعد الموت لكى اعرف السعادة ، انا اريدها الان و فى هذه الحياة"، وبدأ المناخ الجديد يعيد للحوار البشرى حول الحياة اولويته ، واخذ دور العقل ينشط من اجل مقاومة الضغوط الثلاثة التى تهدده: الطبيعة ، والضعف الذاتى و الخوف من الآخر.

فعندما يقول باكون " المعرفة قوة" ،" الطريق الى تفوق الانسان و الى المعرفة هما شىء واحد" ، "المعرفة البشرية و القوة هما شيئان متحدان" نستطيع ان نتعرف على الدور المركزى الذى تبوأته المعرفة فى تلك النقلة.

وعندما يبشر ديكارت بالعقل النقدى ، واهمية المنطق الانسانى ، ليواجه المقولة الكنسية القديمة "اؤمن اولا.. ثم افهم بعد ذلك " بالقول"كل شىء يجب ان يختبر بالمنطق ، فقط المنطق هو القوة الحقيقية التى يمتلكها الانسان" ، " عن طريق العقل نستطيع ان نجهز انفسنا لكى نكون سادة الارض" وايضا " اعطنى حقائق المادة و الحركة وانا ساشكل لك العالم " فان البشرية تكون قد بدأت فى نصب "محكمة العقل " التى على منصتها تزن و تقيم وتفسر كل الامور ابتداء من القرن الثامن عشر.

و حينما يقول كانت" على الانسان ان يعود للطبيعة وان يتعلم الدروس منها ، ولكنه لا يجب ان يفعل ذلك يشخصية التلميذ الذى يقبل كل ما يختار المعلم قوله ،و لكن كقاض مكلف يحقق و يجبر الشهود على اجابة  الاسئلة التى اعدها مسبقا " ، وعندما يلخص هيجل الامر فى عبارة "العقل سيد الطبيعة" نتعرف على الثقة التى اكتسبها الانسان منذ ذلك الوقت وهو يخوض و بسرعة و اندفاع جديدين نحو تحقيق مزيد من الفهم ، مزيد من القدرة ، ومزيد من السيادة.

ومع تطور دور العقل فى الحياة البشرية والذى مهدت له هذه الافكار ، والمناخ الذى وفره الوضع الاقتصادى الاجتماعى  الجديد ، تكاثرت الاكتشافات العلمية  ، و فهم الانسان قوانين الطبيعة ، وخضعت النفس و الجسم البشرى للأبحاث ، ، ولم تستثنى النظم الادارية و المالية والسياسية ، و اطلت الديمقراطية برأسها لتكون وسيلة سلمية لحل الخلافات فى المجتمع ، وبدأ الانسان يحقق الانتصارات الاولى على مخاوفة الثلاث ، و يرسخ  كرامته  ويجعل لتحقيق سعادته سبل عملية بعد ان كانت افكارا تحتضنها الكتب او خيالات تزخر بها الاساطير.

ومع تطور العقل تطورت الاخلاق ، فحرر العبيد و حرم الاسترقاق ، وادين التعذيب ، وشجب انتهاك حقوق الناس ، وبدأ الاهتمام بالنظافة و حماية البيئة ، وظهرت سلوكيات العمل الكالفينية ، وحددت ساعات العمل و اكتسب العمال حقوقهم، وتم التمييز بين ما هو خاص للفرد و ما هو عام للمجتمع فلم يعد الفرد محتاج للكذب لأخفاء تناقضات فضاؤه الخاص مع الفضاء العام ، وظهرت دولة المواطن التى لا يحتاج فيها لنفاق الحاكم او ابتذال نفسه له. 

و مهدت هذه الظروف لظهور "عصا الانسان السحرية" التى لم تكن الا التكنولوجبا ، التى حققت له السيطرة على كل ما كان يهدده ، فهو يركب الريح طائرا من اقصى العالم الى اقصاه ، يولد من النار كهرباء تجعل كوكبه الكوكب المضىء الوحيد فى هذا الكون ، يقطع المسافات بكفاءة لم تتحقق لغيره ، يربى البكتريا ليصنع منها دواءه ، يحلل شفرة الجينات، يهزم الامراض واحدا بعد الاخر ، يخزن و ينقل المعلومات عبر فضاء افتراضى هو الذى صنعه ، و يتواصل عبر اقمار اصطناعية يضعها بنفسه فى مدارات حول الارض ، ثم يمتطى عصاه السحرية ليغزوا بها الكون ويرسل اشاراته الى المجرات الاخرى داعيا المخلوقات الاخرى ان تتصل به ان كانت موجودة.

وعلى الرغم ان الرحلة لا زالت فى بدايتها ، وان نقائص كثيرة من بقايا ظلم و تفاوت فى النصيب من الثروة و حروب ودماء و فقر ينتاب حياة الانسان  ، فان هذه الرحلة الطويلة والمضنية التى انتقل فيها الأنسان من ذلك الوضع البائس الضعيف العاجز المذعور ، ليصيرمخلوق سيد يتحكم فى الكثير من مدخلات حياته ، ومندفع   بتفاؤل نحو المستقبل ، قد اعطت المضامين التاريخية لمفهوم "الحياة الكريمة ".

ان هذه المضامين التاريخية تحدد لنا الاتجاه بوضوح فهو للتقدم وليس للعودة الى الوراء ، كما يبرزالعجلة التسارعية للتقدم، فاذا كانت انجازات الانسان فى المائة عام الاخيرة تزيد على كل ما حققه قبلها، و اذا كان عدد اسبوعى واحد من "النيويورك تايمز" يحتوى من المعلومات اكثر من كل ما  عرفه شخص مثقف عاش فى تلك المدينة فى بداية القرن العشرين  ، فنحن امام ظاهرة مركزية لا يمكن الحديث عن الحياة البشرية فى غيابها.

الا ان هذه المضامين التاريخية لا تمثل الا مدخلا يمهد لتحديد المكونات المادية و المعنوية لمفهوم " الحياة الكريمة " فى زمان و مكان محددين ، و هو فى مقامنا هذا  ليبيا المعاصرة ، الامر الذى يتطلب اولا التعرف على طريقة استخراج تلك المكونات لمجتمع ما ، المفهوم الاجتماعى للسعادة ، مثلث الاحتياجات البشرية ، والنموذح الافتراضى للحياة الكريمة الذى يمكن ان نخضعه بعد ذلك للحقائق الموضوعية السائدة فى ليبيا كى يصبح نموذجا واقعيا .

 وهو ما ساتناوله ، باذن الله ، فى المقال القادم والذى لن يتعدى بدوره ان يكون .. مجرد وجهة نظر.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “المضامين التاريخية لمفهوم الحياة الكريمة.”

  1. مدخل رائع.. ومقدمة موجزة ووافية لكفاح الإنسان عبر العصور.. من أجل الوصول إلى حياة كريمة.. أراد أن يحياها فى حياته - هذه - الدنيا, وليس بعد مماته.. فهذه، أساساً، حكمة الخالق وقدر المخلوق.

    فى انتظار وصولك إلى قدر الإنسان الليبي.. وأسباب عدم وصوله على أدنى مستويات الحياة الكريمة رغم ثراه.. وكيف نُمكنه من ذلك عبر حوار عقلانى؟

    أحسنت يا أستاذ محمد.. ونحن فى الإنتظار.

  2. رائع جداً أستاذ بويصير

    ارتقى فكرنا إلى مصاف فكرك

    أو لم يرتقي بعد

    كلمات تصبوا إلى الكمال

    من جميع النواحي

    كان الأمر استثنائياً بالنسبة لي

    أن أقرأ للأستاذ بويصير

    نص ميتيفيزيقي (قصة الحياة الكريمة)

    الحلم يلوح في الأفق

    ننتظر تصورا لحياة الإنسان الليبي

    بعد أن عرفت من خلالك قصة الحياة الكريمة.

    استاذ بويصير

    دائماً كلماتك

    تكون

    بمثابة

    (الترياق لعذابات الروح والجسد )

    لكل انسان ليبي

    تحياتي لك أستاذ بويصير

    أطيب المنى

  3. غير جيد وناقص



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر