هل يحقق التطرف سرعة المسير و هل يختصرالزمن ؟
فى مفترقات الطرق و حين تكون "المجتمعات الصفرية" قد بدأت فى الحراك للتخلص من جمودها ، تظهرازمات ناتجة عن تاكل البني التقليدية القائمة على التبعية المطلقة، فى الوقت الذى لا تكون البنى الجديدة قد حققت الاحلال الكافى بعد ، لذا تنشأ لدى قطاعات واسعة توترات نفسية تتمثل فى الشعور بالضياع لغياب الاطمئئان الناتج عن الخضوع للسطوة الاجتماعية الكاملة، والامان الذى تضمنه التراتبية الراكدة فى المجتمع الصفرى.
انه الشعور بانحسار"سحر العبودية" التى تحدد للانسان كل تفاصيل حياته ولا تتطلب منه سوى الطاعة ، وتحصنه بثقافة تفسر له ـ ببساطة ـ موقعه من المجتمع والسبل التى يشقها فى مستقبله و آلامه وعذاباته، دون ان يرتبط ذلك بالتحدى الذى يمثله الاختيارعندما يصبح فى مواجهة عالم جديد يرتبط فيه واقعه بجهده و يصنع فيه ـ لحد كبيرـ مستقبله ، عالم يطرح الكثير من الاسئلة الجديدة على عقله كل ساعة، ويضعه كل يوم امام تحديات الاختيارات الصعبة، وينقله من راحة يقينيات"العبودية" الى توترات غموض آفاق "الحرية" .
وعندما ينتقل هذا التوتر من المستوى النفسى الى المستوى الاجتماعى فهو يتحول لدى الجموع الى احتياج سياسى لخطاب حاسم ، يعد بالفردوس المفقود ، يمتلك كل الحقائق ، يتولى عنهم الاجابة عن التساؤلات و يجد لهم الحلول النهائية ، ليزيل عنهم التوتر.
و هنا ياتى دور النخب السياسية التى تنحصراختياراتها فى تحقيق الزعامة والرغبة فى قيادة الاخرين ، فتبدأ فى طرح خطاب متطرف يستند على ازمات المجتمع و يرتكز على المغالاة ، يستعمل التعميم اللازم لتوظيف الواقع حسب الرغبة ، ويهرب من حساب تاثير الشروط الموضوعية ، ويتبنى المقولات الحماسية التى تلهب المشاعر مع التركيز على التذكيرالمبالغ فيه بوجود خطر داهم ، والتلاعب بالتفسيرات ، والفصل القاسى بين "نحن و هم"و تغذية هذه الثنائية على قاعدة "كل الخير فينا" و "كل الشر هم".
وعلى كاهل هذه الثنائية يبنى عالم جديد يقوم على "الذاتية الجماعية" التى تحفز مشاعر الكراهية و الرغبة فى الانتقام من الآخر ، وليصبح التهديد و الابتزاز ، و القاء التهم جزافا و اغتيال الشخصية ، و تزوير الوقائع و اطلاق التسميات النابية من اركان هذا الخطاب .
ويبدأ البحث فى الماضى عما يمكن ان يضفى على الخطاب تاريخيته ، ينتقى منها ما يخدمه و يخفى الباقى ، و يبدأ ربط الشعارات الحماسية بالوجدان ، و تضفى عليها القدسية لتصبح جزء من كينونة الانسان ، كما تنشأ حساسية مفرطة من المنطق الموضوعى و العقلانية يتطور الى ازدراء عام بالمعرفة لحساب حلول نهائية قادرة على حل كل المعضلات ، وليتحول فى النهاية الى شعارات و مقولات خالية من المضامين تزعم انها تلغى ما عداها .
تخلق مخرجات الخطاب وشحناته العاطفية الجاذبية التى تحشد المقهورين حوله ، حيث يجدون فيه الاطمئنان الذى يبحثون عنه، فعلاوة عن انه ينقلهم من الشعور بالتجاهل فى الاركان المظلمة الى بؤرة الضوء التاتج عن الضوضاء و الحدة ، فهو يقدم لهم مهربا جماعيا من التوترات التى تصنعها الاسئلة الكثيرة التى تسبب لهم الشعور بالضياع ، فيصبح بمثابة بوابة على عالم مريح مبنى على اليقينيات يعيد لهم التمتع "بسحر العبودية" الذى يحصن العقل ضداسئلة الوضع الجديد .
هنا يصبح منتج الخطاب فى موقع "الملقن" القادر على صناعة تفكير الآخرين بينما يغدوا الاخرون فى موقع "المتلقى" ، وتنتفى اى حالة حوارية بين الطرفين لحساب علاقة تبعية يمارس من خلالها الملقن التهييج و التحريض بينما يستجيب المتلقون بالتنفيذ، وليبدأ تكوين قطيع سياسى حول اليقينيات التى يبثها الملقن .
يبدأ القطيع فى انتاج هويته ، فبالاضافة للشعارات والهتافات التى توحدهم عند اللقاء ، يتم شخصنة العدو الذى يجب القضاء عليه ، كما يصبح توحيد الزى و المظهر الشخصى والسلوك و طريقة الكلام و التخاطب واسلوب التحية مظاهر تاكيد الانتماء الى القطيع ، كما تحقق المسيرات ـ خاصة الليلية منها ـ اضفاء الشعور بالسطوة ، ولتحقيق المزيد من الامتزاج بين الافراد تكلف الجموع بمهام الزحف و المداهمة على العدو الذى يقوم الملقن بتحديده ، و يبرز من داخل القطيع "ملازمين" يتولون تنظيمه و تاكيد طاعته كما يبادرون بالتصدى للاعداء و التنكيل بهم لتحقيق مواقع اكثر تمايزا .
ويصبح العنف اداة مشروعة لحسم الخلافات السياسية ، و يكتسب الملقن سلطات القاضى فهو يحدد التهم و يعلن الادانة و يحرض القطيع على التنفيد ، و لتبدأ جثث الخصوم المصلوبة فى الشوارع فى الاعلان عن "زمن الرعب" ، كما تطال التصفيات القطيع نفسه بدعوى "التطهير" وليصبح الخوف سيد الموقف ، وتلطخ الدماء ايادى الملقن و المتلقين فيصبح الحفاظ على انفسهم هو الغرض الحقيقى من عملهم السياسى ، وكذلك لانتاج الشعور بالسطوة الذى يعيد لهم الطمأنينة .
ولا يحدث هذا فى معزل عن المناخ الثقافى السائد فى المجتمع الذى يزود الملقن بالخلفية التى تسمح له بتمرير خطابه و تحقيق المزيد من السيطرة ، ويزود افراد القطيع بكل مبررات الاستكانة و الطاعة .
كذلك يصبح الخصوم السياسيين "خونة للوطن وعملاء " للأعداء الخارجيين الذين يهددون امن الوطن، حتى يصادر حقهم فى الاختلاف وتدفع الحشود الى تصفيتهم ـ دفاعا عن الوطن ـ و هى مرتاحة البال .
فى هذه الاوضاع ، الاستبداد و الاقصاء ، سيطرة الرعب و سيادة العنف ، تختفى كل مساحة تتيح استعمال العقل ، و يتحول المجتمع الى ساحة قتل او حلبة مصارعة او سجن كبير او كلها مجتمعة ، وليبدأ الناس ـ و بفعل الواقع السىء الجديد و الزمن الذى ضاع عبثا ـ فى اكتشاف المخاطر التى يحملها التطرف فى حناياه ، وكيف ان الوعود التى اطلقت بالنعيم المفقود و اختصار الزمن ليست الا كوابح تعطل المجتمع عن تحقيق تقدمه ..لا يمكن ازالتها الا بانجلاء الخطاب المتطرف و تفكيك قطيعه .
هذا ولا تذهب اثار التطرف بزوال تاثيره بل تبقى بعمق الجراح التى يخلفها وقسوة الالام التى تبقى فى الذاكرة الجماعية للناس ، كما تعيق العداوات التى خلقها و اججها امكانية لملمة الصف الوطنى وتحقيق وحدته من جديد ، وفى كثير من الحالات تصبح هذه الاثار ندوب دائمة على وجه الوطن .
لذا تبقى المراحل التى يسود فيها التطرف فى حياة الشعوب دروس حية و عملية لأهمية العقلانية والموضوعية والتدرج ، و مركزية دور الحرية فى تقدم الشعوب .
كان هذا احد اهم دروس "الثورة الفرنسية" التى تركت من الاثر الفكرى العظيم على البشر ما دفع "شوين لاى"عام 1965 للقول"ان الوقت مازال مبكرا لحصر الآثار الفكرية للثورة الفرنسية رغم مرور مائتى عام على احداثها".
..لم يكن لويس السادس عشر ملك فرنسا يعلم عندما دعا المجالس الثلاثة ـ التى تكون مجلس الدولة ـ للاجتماع عام 1789 لتدارس الازمة المالية فى البلاد انه فى الواقع يحضر المسرح لواحدة من اهم احداث التاريخ ، ذلك ان النظام القديم الذى تقوده اسرة "البوربون" بسلطات ملكية مطلقة متحالفة مع الكنيسة و النبلاء الاقطاعيين كان يواجه صعود طبقات جديدة خلقها الواقع الاقتصادى و الثقافى الجديد ممثلة فى برجوازية المدن و حلفاءها من الفلاحين و الاجراء .
فعلى وقع الازمة الاقتصادية التى خلقتها الحروب الملكية فى القرنين السابع و الثامن عشر ، و تفاقم الدين العام ، و اعباءالضرائب التى فرضها الملك والكنيسة اكبر مالك للأرض الزراعية فى فرنسا وقتها ، و ارتفاع اسعار الغذاء و انتشار المجاعة و الفقر و ارتفاع معدلات البطالة قى مقابل البذخ فى انفاق البلاط و الطبقة الحاكمة ، وكذلك تصاعد المعارضة للملكية المطلقة ولسيطرة الكنيسة ، ورفض الطبقة الصاعدة من البرجوازية ـ المهنيين و التجارـ لأمتيازات النبلاء المتوارثة ، وامتعاض الفلاحين من سطوة النبلاء الاقطاعيين و انتشار الافكار الت
























